عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

184

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

كانت الرحمة أصلا انسحب حكمها من أوّل الوجود إلى آخره ، ولم يكن الغضب منسحبا من أول الوجود إلى آخره ، لأن إيجاده للمخلوق من العدم رحمة به لا غضب عليه ، لأنه لم يأت بذنب حتى يستوجب به الغضب . ألا تراه قال سبحانه : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ « 1 » ولم يقل : وغضبي وسع كل شيء . لأنه أوجد الأشياء رحمة منه ، فلهذه النكتة لم ينسحب الغضب أيضا إلى آخر الوجود . والسرّ في هذا أن الرحمة صفة ذاتية له سبحانه ، والغضب صفة ليست بذاتية . ألا تراه يسمى بالرحمن الرحيم . ولا يسمى بالغضبان ولا بالغضوب ، وذلك لأن الغضب صفة أوجبها العدل ، والعدل لا يكون إلا لحكم بين أمرين ، فاسمه العادل اسم صفة واسمه الرحمن اسم ذات . ألا ترى إلى الغفار الذي هو أول مظاهر النعمة التي أوجبتها الرحمة كيف وردت فيه ثلاث صيغ ، فقيل : الغافر ، والغفار ، والغفور . واسمه الظاهر الذي هو أوّل مظاهر النقمة التي أوجبها العدل لا يوجد فيه صيغتان ، فقيل القاهر والقهار ، ولم يرد القهور ، وكل هذا سرّ سبق الرحمة الغضب . ثم اعلم أن النار لما كان أمرها عارضا في الوجود جاز زوالها ، وإلا لكان مستحيلا ، وليس زوالها إلا إذهاب الإحراق عنها ، وبذهاب الإحراق عنها تذهب ملائكتها ، وبذهاب ملائكتها ترد ملائكة النعيم ، فينبت بورود ملائكة النعيم في محلها شجر الجرجير ، وهو خضرة وأحسن لون في الجنة لون الخضرة ، فانعكس ما كان جحيما إلى أن صار نعيما ، كما في قصة إبراهيم الخليل عليه السلام حيث قال الحق سبحانه وتعالى لناره : كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ فصارت رياحين وجنات ، ومحلها باق على ما هو عليه ، ولكن ذهبت النار ؛ وإن شئت قلت : لم تذهب النار ولكن انتقل ألم العذاب إلى الراحة ، فكذلك الجحيم يوم القيامة ، وإن شئت قلت : إنها تزول مطلقا بعد وضع الجبار فيها قدمه فهي زائلة ، وإن شئت قلت : إنها على حالها باقية ، ولكن انتقل أمر عذاب أهلها إلى الراحة ، فهو كذلك ، ويناسبها في الدنيا الطبيعة النفسانية بمن تزكى في جذبه إلى الحق بالمجاهدات والرياضات فإن قلت : إن الطبيعة النفسانية قد فقدت مطلقا صدقت ، وإن قلت : إنها مستورة تحت أنوار التزكية الإلهية كنت صادقا في ذلك . ثم نسبة المجاهدات والرياضات وما يقاسيه أهل اللّه تعالى من المشقة في ذلك بمثابة عذاب أهل النار وأهوالها يوم

--> ( 1 ) آية ( 156 ) سورة الأعراف .