عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

181

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

الحال الغريب ، سكنى جبل قاف ومحلى الأعراف ، أنا الواقف في مجمع البحرين ، والغارق في نهر الأين والشارب من عين العين ، أنا دليل الحوت في بحر اللاهوت ، أنا سر الغذا والحامل للفتى ، أنا معلم موسى الظاهر ، أنا نقطة الأول والآخر ، أنا القطب الفرد الجامع ، أنا النور اللامع ، أنا البدر الساطع ، أنا القول القاطع ، أنا حيرة الألباب ، أنا بغية الطلاب ، لا يصل إليّ ولا يدخل عليّ إلا الإنسان الكامل والروح الواصل ؛ وأما من عداه فمكانتي فوق مأواه ، لا يعرف لي خبرا ولا يرى لي أثرا ، بل يصوّر له الاعتقاد في بعض صور العباد ، فيتسمى باسمي ويكتب على خده وسمي ، فينظر إليه الجاهل الغرّ ، فيظن أنه المسمى بالخضر ، وأين هو مني ، بل أين كأسه من دني ، اللهم إلا أن يقال إنه نقطة من بحري أو ساعة من دهري ، إذ حقيقته رقيقة من رقائقي ، ومنهجه طريقة من طرائقي ، فبهذا الاعتبار أنا ذلك النجم الغرار ، فقلت له : ما علامة الوصول إليك والنازل في سوحك عليك ؟ فقال : علامته في علم القدر منزوية ، ومعرفته في علم التحقيق بالحقائق منطوية . ثم سألت عن أجناس رجال الغيب فقال : منهم من هو بني آدم ، ومنهم من هو من أرواح العالم ، وهم ستة أقسام مختلفون في المقام : القسم الأول : هم الصنف الأفضل والقوم الكمل ، هم أفراد الأولياء المقتفون آثار الأنبياء ، غابوا عن عالم الأكوان في الغيب المسمى بمستوى الرحمن ، فلا يعرفون ولا يوصفون وهم آدميون . القسم الثاني : وهم أهل المعاني وأرواح الأواني ، يتصور الولي بصورهم فيكمل الناس في الباطن والظاهر بخيرهم ، فهم أرواح كأنهم أشباح للقوّة الممكنة من التصوير في العين ، سافروا من عالم الشهود فوصلوا إلى فضاء غيب الوجود ، فصار غيبهم الوجود شهادة وأنفاسهم عبادة ، وهؤلاء أوتاد الأرض القائمون للّه بالسنة والفرض . القسم الثالث : ملائكة الإلهام والبواعث يطرقون الأولياء ويكلمون الأصفياء ، لا يبرزون إلى عالم الإحساس ، ولا يتعرفون لعوام الناس . القسم الرابع : رجال المناجاة في المواقع ، دائما يخرجون عن عالمهم ولا يوجدون إلا في غير معالمهم ، يتصوّرون لسائر الناس في عالم الإحساس ، وقد يدخل أهل الصفا إلى ذلك اللواء فيخبرونهم بالمغيبات وينبئونهم بالمكتمات . القسم الخامس : رجال البسابس هم أهل الحظوة في العالم ، وهم من أجناس بني آدم ، يظهرون للناس ثم يغيبون ويكلمونهم فيجيبون ، أكثر سكنى هؤلاء في الجبال والقفار والأودية وأطراف الأنهار ، إلا من كان منهم ممكنا فإنه يتخذ من المدن مسكنا ، نفيس مقامهم غير متشوق إليه ولا معوّل عليه . القسم