عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

172

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

لست بكفء لها . فقال له : اعلم أن مهر بنتي جوهرة تسمى بالبهرمان لا توجد إلا في خزائن كسرى أنو شروان ، فقال له : يا سيدي ، وأين معدن هذا الجوهر ؟ فقال له : معدنه بحر سيلان ، فإن جئتنا بصداقها المطلوب مكناك من هذا النكاح المخطوب ، فذهب الفقير إلى البحر وأخذ يغرف بقصعته منه ويفرغه في البر ، فمكث على ذلك مدة لا يأكل ولا يشرب وهو معتكف على ذلك المطلب ليلا ونهارا ، فأوقع صدقه خوف انتزاح البحر في قلوب الحيتان فاشتكت إلى اللّه تعالى ، فأمر اللّه تعالى الملك الموكل بذلك البحر أن يذهب إلى ذلك الرجل بنفسه ويسأله عن حاجته فيسعفه ببغيته ، فلما سأله عن مقصده وأجابه الرجل أمر البحر أن يقذف بموجه إلى البرّ ما عنده من جنس ذلك الجوهر فامتلأ الساحل جواهر ولآلىء ، فحملها وذهب بها إلى الملك وتزوج ابنته ، فانظر يا أخي ما فعلت الهمة ، ولا تظن بأن هذا الأمر غريب أو شيء عجيب ، فقد شاهدنا واللّه بل جرى لنا في أنفسنا ما هو أعظم من ذلك مما لا يحدّ ولا يحصى ، واللّه على ما نقول وكيل ، ولم أحلف لك إلا خوفا عليك من ردّة الإنكار أن تنزع بقلبك عن سلم الهدى ومعارج الأسرار ، فإن القلوب إذا جال فيه الخناس وألبسها ثوب الوسواس يوشك أن تجول في مهامه الإياس فتحرم نور اليقين بظلمة الالتباس . ثم اعلم وفقك اللّه أن زجاجة الهمة قبل امتلائها يكسرها كل حصاة مخالفة ويهريق ما فيها كل هيئة منافيه ؛ وأما إذا امتلأت وأخذت حدّها في البلوغ وانتهت ، فإنها لا تحركها الرياح العواصف ، ولا تكسرها المطارق والمخاوف ، فالحازم اللبيب والعارف المصيب إذا ابتدأ في هذا الأمر وأخذ في خوض هذا البحر لا يلتفت إلى وعر المسالك ولا يبالي بما يظهر فيها من المهالك ، فإنما جل ما يراه بل كل ما يلقاه نزغة من العدوّ والشيطان ليمنعه بذلك عن حضرة السلطان ، فليحذر من الالتفات ولا يبالي بما حصل أو فات ، فإنها طريقة كثيرة الآفات ، محفوفة بالقواطع مشوبة بالموانع ، آثارها دوامس وأطلالها دوارس ولياليها طوامس ، طريقها هو الصراط المستقيم ، وقريبها أناس يستعذبون العذاب الأليم وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ « 1 » . ثم اعلم وفقك اللّه تعالى : أن الهمة في محتدها الأول ومشهدها الأفضل ، لا

--> ( 1 ) آية ( 35 ) سورة فصلت .