عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
13
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
يقبله الكتاب والسنة من كل وجه ويرد منه ما يرده الكتاب والسنة من كل وجه ، وقلّ أن يتفق مثل هذا في مسائل أهل القبلة ، وما قبله الكتاب أو السنة من وجه ورده من وجه فهو فيه على ذلك المنهج ، وأما ما ورد في الكتاب والسنة من المسائل المتقابلة كقوله : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ، وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ « 1 » وقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « أول ما خلق اللّه العقل » وقوله : « أول ما خلق اللّه القلم » « 2 » وقوله : « أول ما خلق اللّه نور نبيك يا جابر » « 3 » فتحملها على أحسن الوجوه والمحامل وأتمها وأجمعها وأعمها ، كما قيل في الهداية التي ليست إليه صلّى اللّه عليه وسلم هي الهداية إلى ذات اللّه تعالى ، وفي الهداية التي جعلها اللّه إليه هي الهداية إلى الطريق الموصلة إلى الحق ، وكما قيل أن الأحاديث الثلاثة أن المراد بها شيء واحد ، ولكن باعتبار نسبتها تعددت ، كما في الأسود اللامع والبراق عبارة عن الحبر ولكن باختلاف النسب ، وما قدمت لك هذه المقدمة كلها إلا لتخرج عن ورطة المحجوبين بالوجه الواحد عن وجوه كثيرة ، ولتجد طريقا إلى معرفة ما يجريه اللّه على لساني في هذا الكتاب ، فتبلغ بذلك مبلغ الرجال إن شاء اللّه تعالى . ( إشارة ) جمعنا الوقت عند الحق بغريب من غرباء الشرق متلثما بلثام الصمدية متزر بإزار الأحدية مترديا رداء الجلال متوجا بتاج الحسن والجمال مسلما بلسان الكمال ؛ فلما أجبت تحية سلامه أسفر بدره عن لسانه ، فشاهدته أنموذجا فهوانيا حكميا حكيما برنامجا مقدرا على سبيل الفرض ، وبه لا بغيره تبرأ الذمة من رقّ الغرض ، فاعتبرته في معياري ونظمت به عقود الدراري ، فانقطع من أول وهلة مني علاقة الفقار فأصلحته بانكسار عمود الآن ، فلما استقامت شوكة المعيار وحصل ربّ العرش في الدار نصبت كرسي الاقتدار وأقمت به ميزان الاعتبار ، فاعتبرت مالي في مآلي بقوانين تلك المعالي ، فلم يزل ذلك دأبي وأنا كاتم عني ما بي إلى أن نفدت الأرطال وانقطع الاعتبار بالمثقال ، ظفرت بقيراط التدقيق فأحكمت به عيار التحقيق ، فصبغت يدي بالحنا وكحلت عيني الوسنى ، فلما فتحت العين وكسرت القفلين خاطبني بحديث الأين ، فأجبته بلسان البين ، وأنشدت هذه الأبيات ، وجعلتها بين
--> ( 1 ) آية ( 56 ) سورة القصص . ( 2 ) الحلية 7 / 318 ، والحاكم 2 / 454 وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي على صحته . ( 3 ) كشف الخفاء 1 / 311 . 312 .