عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

143

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

كثرة فيه ، فلا يقال : إنه لا نهاية له ، لأن عدم التناهي من شروط الكثرة ، وهو منزّه عن الكثرة ، وهو من حيث ذاته المتعالية عن الحدّ والحصر والإدراك لا نهاية له ، فجمع الضدّين في عين وحدته التي لا تثنية فيها ، فانظر إلى هذا الأمر العجيب العجاب ، وتأمل في هذا الخبر المستطاب ، لعلك تهدي إلى الصواب ، وإليه المرجع والمآب . الباب الرابع والأربعون : في القدمين والنعلين اعلم هدانا اللّه وإياك ، وآتاك من الحكمة ما آتانا أن القدمين عبارة عن حكمين ذاتيين متضادّين ، وهما من جملة الذات بل هما عين الذات ، وهذان الحكمان ، هما ما ترتبت الذات عليهما كالحدوث والقدم والحقية والخلقية والوجود والعدم والتناهي وعدم التناهي والتشبيه والتنزيه وأمثال ذلك ، مما هو للذات من حيث عينها ومن حيث حكمها الذي هو لها ، ولذلك عبر عن هذا الأمر ، لأن القدمين من جملة الصورة . وأما النعلان فالوصفان المتضادّان كالرحمة والنقمة والغضب والرضا وأمثال ذلك ، والفرق بين القدمين والنعلين أن القدمين عبارة عن المتضادات المخصوصة بالذات ، والنعلان عبارة عن المتضادات المتعدية إلى المخلوقات ، يعني أنها تطلب الأثر في المخلوقات ، فهي نعلان تحت القدمين ، لأن الصفات العقلية تحت الصفات الذاتية ، وكون النعلين من ذهب ، هو نفس طلبها للأثر ، فهي ذاهبة : أي سارية الحكم في الموجودات ، فلها الحكم في كل موجود وجد ، بأيّ نوع كان من الموجودات . وإذا علمت معنى النعلين وعلمت المراد بالقدمين ، ظهر لك سرّ الحديث النبويّ وهو أن الجبار يضع قدمه في النار فتقول : قط قط ، وأنها تفنى حينئذ ، فينبت موضعها شجر الجرجير ، أو كما قال . وسنومىء إلى ذلك في آخر الكتاب في الباب الذي نذكر فيه جهنم ، حسبما أمكن من التصريح أو الكناية ، فافهم هذا المعنى . واعلم أن الربّ له في كل موجود وجه كامل ، وذلك الوجه على صورة روح ذلك الموجود ، وروح ذلك الموجود على صورة محسوسة وجسد ، وهذا الأمر للربّ أمر ذاتي ، استوجبه لذاته ، لا ينتفي عنه باعتبار ، لأنه ما ثبت له باعتبار ، لأن كل ما نسب إلى الحق باعتبار تنتفي تلك النسبة عنه بضدّ ذلك الاعتبار ، وكل ما نسب إليه لا باعتبار ، فإنه لا تنتفي نسبته عنه بشيء من الاعتبارات ، فافهم ذلك . وإذا كان الأمر فإن كان كذلك ، كانت الصورة للربّ أمرا ذاتيا ، وإلى ذلك الإشارة في قوله : خلق