عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

139

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

هو الألوهية والبيت هو القلب ، وكما أن السقف من البيت وبعضه ، كذلك القلب الذي وسع اللّه ربه منه وبعضه ، لأن الواسع هو الكل والموسوع هو الجزء ، وهذا بلسان التوسع الذي عليه حقيقة الأمر : وأما الحق فحكمه ووصفه أن يسع الأشياء ولا يسعه شيء ، ولا يجوز فيه البعض ولا الكل ، بل منزّه في قدسه عن جميع ذلك ، فاعلم ما هو اللّه من حيث الوجود العيني ، واعلم ما هو له سبحانه من حيث الوجود الحكمي ، واعرف من هو واعرف من أنت ، وبما أنت هو وبما هو أنت ، وبما أنت مغاير له ربما هو منزّه عن نقائصك . واعلم أن النسبة التي بينك وبينه من أين صحت فوجدت ، ومن أين انقطعت بينك وبينه ففقدت ؛ وتأمل إلى هذه العبارات التي تضمنت أسرار الحق في التصريح والإشارات : وأما البحر المسجور فهو العلم المصون والسرّ المكنون الذي هو بين الكاف والنون هذا تعبيره بلسان الإشارة . وأما في الظاهر فيقال إنه بحر تحت العرش يلج فيه جبريل كل يوم ، فإذا أخرج منه نفض جناحه فقطرت منه سبعون ألف قطرة ، فيخلق اللّه تعالى بكل قطرة ملكا يحمل علما إلهيا ، فهذه الملائكة هم الذين يدخلون البيت المعمور كل يوم من باب ويخرجون من باب ولا يعودون إليه إلى يوم القيامة ، فافهم ما أشرنا إليه في التصريح ، واعلم ما رمزنا لك في التلويح وانظر لم سجر لك هذا البحر ومنع هذا الفجر ، هل هو لقصور العقل عن دركه أم الغيرة الإلهية منعت من فكه ، فإنه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « أخذ على كتمه » حيث قال : « أوتيت ليلة أسري بي ثلاثة علوم ، فعلم وعلم وعلم أخذ على كتمه » الحديث « 1 » ، فجميع ما أبرزناه في هذا المستور أهو في زبد هذا البحر المسجور لا من درة اللائق بالبحور ، بيد أنا لم نكتم منه شيئا ، إذ وضعنا جميعه بين رمز في عبارة وبين لغز في إشارة ، وبين تصريح أضربنا عنه إلى غيره . والمراد هو لما يحوي من خيره ، وهذا كتاب لم يأت بمثله الزمان ، ولم يسمح بشكله الأوان ، فافهمه وتأمله ، فالسعيد ابن السعيد من قرأه أو حصله ، واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل . تمّ الجزء الأول ، ويليه الجزء الثاني وأوله : الباب الثاني والأربعون : في الرفرف الأعلى

--> ( 1 ) سبق .