عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
126
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
وعلم الطبيعيات ، وعلم الرياضيات ، وعلم المنطق ، وعلم الخلافة ، وعلم الحكمة ، وعلم الفراسة إلى غير ذلك من العلوم ، كل ذلك بطريق الاستتباع ؛ ومنه شيء على سبيل التصريح مما لا يضرّ إظهاره ، ولا يؤدي إلى كشف سرّ من أسرار اللّه تعالى . وكان داود عليه السلام كثير العبادة ، وكان يعلم منطق الطير بالكشف الإلهي ، ويحدثهم بالقوّة الإلهية ، فيبلغهم في آذانهم ما يريده من المعاني . بأي لفظ شاء ، لا كما يزعمه من لا معرفة له بحاله ، فيزعم أنه كان يتكلم بنفس لغة الطير زعما منه أنها على لفظ مصطلح عليه ، بل كان يفهم أحاديث الطيور على اختلاف أصواتها ويعلم المعاني التي تدل عليها تلك الأصوات بطريق الكشف الإلهي ، وذلك قول ولده سليمان : « عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ » « 1 » واستمرّ به ذلك الحال حتى زعم من زعم أن للطيور لغة موضوعة يتحدث بها بعضها مع بعض ، وأن فهم داود لها من حيث معرفته بذلك الوضع ، بل إنما لها أصوات تخرجها من غير وضع معلوم لديها ، لكنها إذا عرض لها حال برز منها صوت يفهمه غيرها من الطيور إلهاما إلهيا لما فيها من اللطف الروحي ، فإذا عرض لها حال آخر برز منها مثل ذلك الصوت بعينه أو غيره فيفهمه من يفهمه من الطيور أو غيرها إلهاميا إلهيا ، فكانت سائر الحيوانات إذا برز منها صوت علم داود منها ما تضمنه الصوت علما كشفيا إلهيا ، وكان إذا أراد داود أن يكلم أحدا منهم كلمه إن شاء باللغة السريانية وإن شاء بغيرها من أصوات الحيوانات ، فيفهمه ذلك الحيوان للقوّة الإلهية التي جعلها اللّه تعالى لداود في كلامه ، وهذا الأمر الذي جعله اللّه لداود وسليمان عليهما السلام غير محصور فيهما ولا مقصور عليهما ، وإنما هو أمر عام في جميع الخلفاء ، أعني الخلافة الكبرى ، وما اختصّ داود وسليمان إلا بظهور ذلك والتحدي به ، وإلا فكل واحد من الأفراد والأقطاب له التصرّف في جميع المملكة الوجودية ، ويعلم كل واحد منهم ما اختلج في الليل والنهار فضلا عن لغات الطيور . وقد قال الشبلي رحمه اللّه تعالى : لو دبت نملة سوداء على صخرة صماء في ليلة ظلماء ولم أسمعها لقلت : إني مخدوع أو ممكور بي : وقال غيره : لا أقول ولم أشعر بها لأنه لا يتهيأ لها أن تدب إلا بقوّتي وأنا محركها ، فكيف أقول لا أشعر بها وأنا محركها . وقد ورد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه لزم الجني وأراد أن يربطه إلى سارية المسجد ، ثم ذكر دعاء سليمان فتركه « 2 » ، فعلم من
--> ( 1 ) آية ( 16 ) سورة النمل . ( 2 ) البخاري ( 461 ) ، ومسلم في : المساجد ( 39 ) ، وأحمد 2 / 298 .