عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
124
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
لتنصب الحكمة الإلهية في القوى البشرية ، وقد نبه على ذلك في قوله ليحيى : يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا « 1 » فهذا الأخذ بالقوة لا يكون إلا لمن علم الحكمة واهتدى إلى النور الإلهي ، ثم أفرغ ذلك في قواه على حسب ما اقتضاه علمه من الحكمة الإلهية وهذا أمر ذوقي لا يفهمه إلا من حصل فيه فهو للخواص لا للعوامّ ؛ ومن جملة ما في هذا اللوح علم السيمياء وكيفية السحر العالي وهو الذي يشبه الكرامات ، وقولي السحر العالي لأنه بلا أدوية ولا عمل ولا تلفظ بشيء بل بمجرّد قوى سحرية في الإنسان تجري الأمور على حسب ما اقتضاه الساحر ، فتبرز الصور التي لا تمكن إلا في الخيال محسوسة مشهودة في الحسّ ، وقد يدخل بصر الناظرين إلى خيال نفسه فيصوّر ما يشاء فيرونه بأبصارهم ولكن في خياله ويظنون أنه في عالم الحسّ ، ولقد وقعت على ذلك في طريق التوحيد ، فكنت لو شئت أتصوّر بأي صورة في الوجود تصوّرت بها ، ولو أردت أي فعل فعلت ، ولكن علمت أنه مهلك فتركته ، ففتح اللّه علي بالقدر المصون الذي جعله بين الكاف والنون . وأما لوح الحكم : فهو اللوح الخامس ، فيه علم الأوامر والنواهي ، وهي التي فرضها اللّه على بني إسرائيل وحرّم عليهم ما شاء أن يحرمه ، وهذا اللوح فيه التشريع الموسوي الذي بنى عليه اليهود . وأما لوح العبودية : وهو اللوح السادس ، فإن فيه معرفة الأحكام اللازمة للخلق من الذلة والافتقار والخوف والخضوع ، حتى إنه قال لقومه : إن أحدكم إذا جازى بالسيئة سيئة فقد ادّعى ما ادّعاه فرعون من الربوبية ، لأن العبد لا حقّ له ؛ ومن جملة ما في هذا اللوح علم أسرار التوحيد والتسليم والتوكل والتفويض والرضا والخوف والرجا والرغبة والزهد والتوجه إلى الحق وترك ما سواه وأمثال ذلك . وأما اللوح السابع : فهو اللوح الذي يذكر فيه الطريق إلى اللّه تعالى ، ثم بين طريق السعادة من الشقاوة ؛ ومن جملة ما في هذا اللوح تبيين ما هو الأولى في طريق السعادة من غيره وهو الجائز في طريق السعادة ، ومن هذا اللوح ابتدع قوم موسى ما ابتدعوه في دينهم رغبة ورهبانية ابتدعوها واستخرجوا ذلك بأفكارهم وعقولهم لا من كلام موسى ، بل من كلام اللّه تعالى ، فما رعوها حقّ رعايتها ، فلو أنهم استخرجوا ذلك بطريق الأخبار الإلهية والكشف الإلهي لكان اللّه يقدر لهم ذلك ،
--> ( 1 ) آية ( 12 ) سورة مريم .