عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

119

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

لا نتقض عليه ما يطلبه وكان لا يؤمن به رجل واحد ، فهما مخصوصان بموسى عليه السلام دون غيره من أهل ذلك الزمان ، وكانت الألواح التي أمر بتبليغها فيها علوم الأولين والآخرين ، إلا علم محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وعلم إبراهيم ، وعلم عيسى ، عليهما الصلاة والسلام ، وعلم ورثة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فإنه لم تتضمنه التوراة خصوصية لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم وورثته ، وإكراما لإبراهيم وعيسى عليهما السلام ، وكانت الألواح من حجر المرمر ، أعني الألواح السبعة التي أمر بتبليغها موسى ، بخلاف اللوحين فإنهما كانا من نوره ، ولهذا قست قلوبهم لأن الألواح من الحجارة وجميع ما تضمنته الألواح مشتمل على سبعة أنواع من المقتضيات الإلهية على عدد الألواح : فاللوح الأول : النور . واللوح الثاني : الهدي ؛ قال اللّه تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ « 1 » : واللوح الثالث : الحكمة . واللوح الرابع : القوى . واللوح الخامس : الحكم . واللوح السادس : العبودية . واللوح السابع : وضوح طريق السعادة من طريق الشقاوة ، وتبيين ما هو الأولى فهذه سبعة ألواح أمر موسى عليه السلام بتبليغها . وأما اللوحان المخصوصان بموسى : فاللوح الأول : لوح الربوبية . واللوح الثاني : لوح القدرة ، ولهذا لم يكمل أحد من قوم موسى لأنه لم يؤمر بإبراز التسعة ألواح ، فلم يكمل أحد من قومه بعده ولم يرثه أحد من قومه ، بخلاف محمد صلّى اللّه عليه وسلم فإنه ما ترك شيئا إلا وبلغه إلينا ، قال اللّه تعالى : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ « 2 » وقال تعالى : وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا « 3 » ولهذا كانت ملته خير الملل ، ونسخ بدينه جميع الأديان ، لأنه أتى بجميع ما أتوا به وزاد عليهم ما لم يأتوا به ، فنسخت أديانهم لنقصها ، وشهر دينه بكماله ، قال اللّه تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي « 4 » ولم ينزل هذه الآية على نبي غير محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، ولو نزلت على أحد لكان هو خاتم النبيين ، وما صحّ ذلك إلا لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم فنزلت عليه فكان خاتم النبيين ، لأنه لم يدع حكمة ولا هدى ولا علما ولا سرّا إلّا وقد نبه عليه وأشار إليه على قدر ما يليق بالنبيين لذلك السرّ إما تصريحا وإما تلويحا وإما إشارة وإما كناية وإما استعارة ، وإما محكما وإما مفسرا وإما مؤولا وإما متشابها ، إلى غير ذلك من أنواع كمال البيان ، فلم يبق لغيره مدخلا فاستقلّ بالأمر وختم النبوّة ، لأنه ما ترك شيئا

--> ( 1 ) آية ( 44 ) سورة المائدة . ( 2 ) سبق تخريجهما . ( 3 ) سبق تخريجهما . ( 4 ) آية ( 3 ) سورة المائدة .