عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

116

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

لكن من حيث الذات له * لا كلّ هناك ولا بعض هي لذّته في الذات به * من حيث الذوق ولا غض والفهم لتلك اللذّة قر * آن هي هو هذا القرض اعلم أن القرآن عبارة عن الذات التي يضمحلّ فيها جميع الصفات ، فهي المجلى المسماة بالأحدية أنزلها الحق تعالى على نبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلم ليكون مشهده الأحدية من الأكوان ، ومعنى هذا الإنزال أن الحقيقة الأحدية المتعالية في ذراها ظهرت بكمالها في جسده ، فنزلت عن أوجها مع استحالة النزول والعروج عليها ، لكنه صلّى اللّه عليه وسلم لما تحقق جسده بجميع الحقائق الإلهية وكان مجلى الأسماء الواحد بجسده ، كما أنه بهويته مجلى الأحدية وبذاته عين الذات ، فلذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم : « أنزل عليّ القرآن جملة واحدة » « 1 » يعبر عن تحقيقه بجميع ذلك تحقيقا ذاتيا كليا جسمانيا ، وهذا هو المشار إليه بالقرآن الكريم لأنه أعطاه الجملة ، وهذا هو الكرم التام لأنه ما ادّخر عنه شيئا ، بل أفاض عليه الكل كرما إلهيا ذاتيا . وأما القرآن الحكيم فهو تنزّل الحقائق الإلهية بعروج العبد إلى التحقق بها في الذات شيئا فشيئا على ما اقتضته الحكمة الإلهية التي ترتبت الذات عليها ، فلا سبيل إلى غير ذلك ، لأنه لا يجوز من حيث الإمكان أن يتحقق واحد بجميع الحقائق الإلهية بجسده من أول إيجاد ، لكنه من كانت فطرته مجبولة على الألوهية فإنه يترقى فيها ويتحقق منها بما ينكشف له منها شيئا من ذلك بعد شيء مرتبا ترتيبا إلهيا ، وقد أشار الحق إلى بيان ذلك بقوله : وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا « 2 » وهذا الحكم لا ينقطع ولا ينقضي ، بل لا يزال العبد في ترق إلى هكذا ولا يزال الحق في تجلّ إذ لا سبيل إلى استيفاء ما لا يتناهى لأن الحق في نفسه لا يتناهى . فإن قلت : فما فائدة قوله : « أنزل عليّ القرآن جملة واحدة » « 3 » ، قلنا : ذلك من وجهين : الوجه الأول من حيث الحكم ، لأن العبد الكامل إذا تجلى الحق له بذاته حكم بما شهده أنه جملة الذات التي لا تتناهى ، وقد نزلت فيه من غير مفارقة لمحلها الذي هو المكانة . والوجه الثاني من حيث استيفاء بقايات البشرية واضمحلال

--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) آية ( 106 ) سورة الإسراء . ( 3 ) سبق تخريجه .