عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
108
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
واعلم أن الحال الواحد من أحوال الآخرة ، سواء كان من أحوال المرحومين أو من أحوال المعذبين فإن له حكم الأزلية والأبدية ، وهذا سرّ عزيز يذوقه من وقع فيه ويعلم أنه لا انقطاع له أبدا ، وهذه حالة واحدة ، لكنه قد ينتقل من تلك الحال إلى حال غيرها ، وقد لا ينتقل فإذا انتقل منه إلى حال آخر غيره كان هذا الحكم لحاله الواقع فيه أيضا ، ولا ينقطع هذا الحكم ولا يختلّ عن أحوال الآخرة ، وهذا أمر شهودي ليس للعبد فيه مجال لأنه محل ذلك ، وسيأتي بيان هذا الكلام في موضعه من ذكر الجنة والنار إن شاء اللّه تعالى ، فأبد الحق سبحانه وتعالى أبد الآباد ، كما أن أزله أزل الآزال . واعلم أن أبده عين أزله ، وأزله عين أبده ، فإنه عبارة عن انقطاع الطرفين الإضافيين عنه لينفرد بالبقاء بذاته وكونه قبل ، فيسمى تعقل الإضافة الأولية عنه أزلاء ووجوده قبل أن تعقل الأولية أزلا ، ويسمى انقطاع الإضافة الآخرية عنه أبدا ، وبقاؤه بعد تعقل الآخرية أبد ، وهما أعني الأزل والأبد للّه وصفان أظهرتهما الإضافة الزمانية لتعقل وجوب وجوده ، وإلا فلا أزل ولا أبد كان اللّه ولا شيء معه « 1 » فلا وقت له سوى الأزل الذي هو الأبد ، الذي هو حكم وجوده باعتبار عدم مرور الزمان عليه ، وانقطاع حكم الزمان دون التطاول إلى مسايرة بقائه ، فبقاؤه الذي ينقطع الزمان دون مسايرته هو الأبد فافهم . الباب الموفي للثلاثين : في القدم القدم عبارة عن حكم الوجوب الذاتي ، فالوجوب الذاتي هو الذي أظهر اسمه القديم للحقّ ، لأن من كان وجوده واجبا بذاته لم يكن مسبوقا بالعدم ، ومن كان غير مسبوق بالعدم ، لزم أن يكون قديما بالحكم ، وإلا فتعالى عن القدم لأن القدم تطاول مرور الزمان على المسمى به ، تعالى الحق عن ذلك ، فقدمه إنما هو الحكم اللازم للوجوب الذاتي ، وإلا فليس بينه سبحانه وتعالى وبين خلقه زمان ولا وقت جامع ، بل تقدم حكم وجوده على وجود المخلوقات هو المسمى بالقدم ، وطروّ المخلوق لافتقاره إلى موجد يوجده هو المسمى بالحدوث ، ولو كان للحدوث معنى ثان وهو ظهور وجوده بعد أن لم يكن شيئا مذكورا ، فإن الحدوث الشائع اللازم في حقّ المخلوق إنما هو افتقاره إلى موجد يوجده ، فهذا الأمر هو الذي أوجب اسم الحدوث
--> ( 1 ) سبق تخريجه .