عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
24
الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار
فقالت لهم هذه الطائفة : نحن ما أخذنا هذا الذي أنكرتم به علينا إلا من الكتاب والسّنّة بطريق عرفناه منهما ، وهو طريق التقوى ، قال اللّه تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [ البقرة : الآية 282 ] وقال صلى اللّه عليه وسلم : « من عمل بما علم ورّثه اللّه علم ما لم يعلم » « 1 » . فلما سمعنا هذا الكلام ، وثبت عندنا أن كلامه حق وقوله صدق ، وأنه لا يخلف الميعاد ، اتقينا اللّه ووقفنا عندما رسم لنا وما تعدّينا حدوده ، فرزقنا علما بمراده في كلامه ومراد رسله في كلامهم ، فهذا الذي جئنا به أخذناه من الكتاب والسّنّة بالتعليم الإلهي لا بالفكر والنظر ، وليس هو من قبيل المحالات ، ولا يهدم ركنا من أركان الشريعة ، ولا يخالف نص كتاب ولا سنّة ، بل لنا من الكتاب والسّنّة ما يقوّيه ويعضده ، فغايته أنه خالف بعض ما أدركتموه وفهمتموه من معاني الكتاب والسّنّة ، وهذا لا يدل على أنه خالف الكتاب والسّنّة ، وكيف يخالفهما ونحن ما أخذناه إلا عن اللّه تعالى بطريق الإلهام ، ولو كانت جميع أفكاركم مطابقة للكتاب والسّنّة لما اختلفتم أصلا ، وبينكم من الخلاف ما لا يعدّ ولا يحصى ، أين مذهب الأشعري من مذهب الماتريدي ، بل أين مذهب الأشعري من مذهب بعض أتباعه ، هذا ونحن ما تكلمنا معكم بهذا الكلام إلا بعد أن خبرنا طريقكم ووقفنا على دقائقه وخفاياه ، وصرنا فيه كما لكم ، فلا يليق بكم أن تردّوا أقوالنا وتكفّرونا بها ، وأنتم لم تسلكوا طريقنا ولا شممتم لها رائحة ولا عرفتم ما اصطلحنا عليه من العبارات والألفاظ كما هو عادة أهل كل فن ، وكيف يليق ذلك بكم وأنتم مؤمنون عقلا ، وسمعتمونا نقول : نحن لا نأخذ علومنا إلا عن اللّه تعالى ، ولا يأخذ عن اللّه تعالى إلا أولياء اللّه ، وسمعتم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إن اللّه سبحانه وتعالى يقول من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب » « 2 » . هذا وأنتم قائلون بأن أولياء اللّه تعالى يصدر عنهم من خوارق العادات ما لا تقدرون عليه أبدا ، بل لا تعقلون حكمته أصلا ، وتقولون : إن اللّه تعالى خصهم بذلك ، فلم لا تجوزون أن اللّه تعالى يخصهم بعلوم لا تصلون إليها بأمر أفكاركم من غير تعليم إلهي ، وكيف لا ؟ وقد حكمتم أن بعض العلوم لا تنال بمجرد الكسب ، لأنها تطلب معه قابلية خاصة ، مثل علم الموسيقى ، ما هذا إلا غاية التعصب ، وإذا سلكتم على طريقتنا ، ووصلتم إلى غايتها ، فإن شئتم فأنكروا وإن شئتم فاعتقدوا ، وأما الإنكار قبل ذلك فما هو من شيم العقلاء . دع عنك تعنيفي وذق طعم الهوى فإذا عشقت فبعد ذلك عنف .
--> ( 1 ) السيوطي ( الدر المنثور 1 / 372 ) ، والقرطبي ( تفسير 13 / 364 ) . ( 2 ) رواه البخاري في صحيحه ، كتاب الرقاق ، باب التواضع ، حديث رقم ( 6502 ) . ورواه غيره .