محمد بن احمد الأطعاني البسطامي
25
روضة الحبور ومعدن السرور في مناقب الجنيد البغدادى وإبي يزيد طيفور
يبق له غيرك ، فلما علم صدق الدعاء من قلبي مع الإياس مني ، كان أول ما ورد علي من إجابة هذا الدعاء أن أنساني نفسي بالكلية ، ونصب الخلائق بين يدي مع إعراضي عنهم . وقيل لأبي يزيد : بم نلت هذه الدرجة ؟ . قال : جمعت أسباب الدنيا كلها فربطتها بحبل القنوع ، ووضعتها في منجنيق الصدق ، ورميت بها في بحر الإياس واسترحت . وقيل له : وبم بلغت إلى ما بلغت ؟ . قال : بأشياء : اتخذت اللّه سبحانه معلما ، فقلت : إن لم يكفك ربك لم يكفك أحد غيره في السماوات والأراضين ، وشغلت لساني بذكره وبدني بخدمته كلما أعيت جارحة رجعت إلى الأخرى ، ثم قيل : أبو يزيد أبو يزيد . وقيل له : بم يصل العبد إلى اللّه تعالى ؟ . قال : بالخرس والصمم والعمى . وقيل [ له ] أيضا : بم نلت ما نلت ؟ . قال : انسلخت من نفسي كما تنسلخ الحية من جلدها . وقيل له أيضا : بم نالوا ما نالوا ؟ بتضييع ما لهم وشهود ماله . وقيل له : بأي شيء وجدت هذه المعرفة ؟ . قال : ببطن جائع وبدن عار . قال عمي موسى بن عيسى ، سمعت أبي يقول : سمعت أبا يزيد يقول : ورد علي رجل من أرباب [ ق 6 / أ ] الحال ، فقال : يا أبا يزيد بماذا وجدت هذه المنزلة ؟ فقال أبو يزيد : دع عنك وجود المنزلة ، ولكني أكرمني الحق سبحانه بثمانية كرامات ، ثم بعدها ناداني أبا يزيد . أولها : رأيت نفسي متأخرة ورأيت الخلق قد سبقوني . والثانية : رضيت بأن أحرق بالنار بدل خلقه شفقة عليهم . والثالثة : قصدي إدخال الفرح في قلب مؤمن . والرابعة : لم أمسك شيئا [ قط ] لغد . والخامسة : أردت رحمة اللّه بالناس أكثر مما أردتها لنفسي .