مجموعة مؤلفين
86
النور الأبهر في الدفاع عن الشيخ الأكبر
ومقابلة العارفين ، ومن كان له طبع مستقيم ، وعقل سليم ، وشرب من العلوم اللدنّية ، والمعارف الربّانّية شرب الهيم ، علم أن مثل الشيخ عز الدين بن عبد السلام ، والذين عاصروه من العلماء الأعلام ، والذين لا يقرون لأحد إلا بعد مشاهدة خوارق حاله ، ومعاينة أقواله وأفعاله ، قد كانوا للشيخ محيي الدين رضي اللّه عنه مسخرين ، ولأقواله وأفعاله وأحواله معترفين ، ولتفخيم شأنه ، وتعظيم مكانه مذعنين ، أفترى أن أهل تلك البلدة العظيمة ، والبقعة المباركة الكريمة ، مع كثرة علمائها ، وغزارة فضلائها ، وطول إقامة الشيخ محيي الدين رضي اللّه عنه بين أظهرهم أكثر من ثلاثين سنة ، وكثرة مصنفاته المتداولة بينهم - علموا أنها باطلة وسكتوا ، ولم ينفق عليه من أجل الأموال ، ولما جاور بمكة - شرفها اللّه تعالى - كان فيها من العلماء الراسخين ، والفقهاء المدققين ، وجمهور المتكلمين ، والمشايخ العارفين المرشدين ، والأولياء الأبرار ، ما لم يوجد في عصر من الأعصار ، والكل كانوا له مقربين ، وبفضله عليهم معترفين ، وبأقواله متبركين ، وعلى قراءة مصنفاته مواظبين ، ومصنفاته الشريفة ، ومؤلفاته المنيفة تشهد بوفور علمه ، وكمال فضله . وكان أكثر اشتغاله بمكة المشرفة في إسماع الحديث النبوي ، وأكثر مصنفاته بخطه ، ولما صنّف بها « الفتوحات المكية » من ظهر قلب ، وضعها بعد ما فرغ منها أجزاء غير محيطة ولا مجلدة على سطح الكعبة ، شرفها اللّه تعالى ، ولم ينزلها إلا بعد سنة ، فلم تلعب بها الرياح ، ولم تبلها الأمطار ، مع كثرة رياح مكة وأمطارها ؛ فعند ذلك ارتفع الالتباس ، وكتبها العلماء وانتشرت بين الناس ، فياليت شعري أكان هؤلاء العلماء الذين عاصروه ، وأخذوا عنه العلم مسلمين أم كانوا جاهلين ؟ بل كانوا بعلمه عاملين ، وبفضله مقربين ، وبرجحانه عليهم معترفين ، غير شرذمة من المتأخرين ، المتوقفين فيه والطاعنين .