مجموعة مؤلفين
254
النور الأبهر في الدفاع عن الشيخ الأكبر
وذهب قوم إلى أن إيمان اليأس ما كان عند رؤية العذاب دنيويا أو أخرويا ، فالإيمان في أي حالة من الحالتين لا ينفع . وعند حضرة هذا العارف وجماعة : أن رؤية العذاب الدنيوي لا تمنع صحّة الإيمان ، وإن أوجبت الهلاك في الدنيا ، فإن سنة اللّه قاضية بأن يتحتّم وقوع الهلاك الدنيوي لمن رأى هذا العذاب ، وإن آمن ونجا من عذاب الآخرة إلا قوم يونس ، فإنه تعالى نجّاهم منه كما ذكر تعالى لنا ، انتهى . الأصل الثاني من أصوله رضي اللّه عنه : هو إن من حقّت عليه الكلمة ، لا يتلفّظ بمادة الإيمان بقصد الإيمان ، وإن تلفّظ بها لا يقصده ، فلا بدّ من تكذيب اللّه تعالى له ، ولو بالحكاية عنه ، كما قال تعالى : وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ [ البقرة : 14 ] ، وكما قال : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا [ الحجرات : 14 ] ، فكذّبهم تعالى في دعواهم ، وهذا الأصل مأخوذ من قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [ يونس : 96 ، 97 ] . فكلمة ( حتّى ) للغاية فغيا تعالى إيمانهم إلى حين رؤية العذاب الأليم ، وهو الأخروي لا غير ، فإنه هو الذي يوصف بالأليم ، ونفى تعالى عنهم وقوع الإيمان قبل ذلك ، فوقوعه منهم قبله قصدا محال بنصّ هذه الآية ، وهذا وقع بعينه لأبي جهل - قبّحه اللّه - كما صحّ في حديث نقله المولى الجامي ، انتهى . إذا تقرّر هذان الأصلان ، فلنرجع إلى ما قاله هذا الحبر في شأن فرعون في كتاب