مجموعة مؤلفين

218

النور الأبهر في الدفاع عن الشيخ الأكبر

الجملة الثالثة : قوله رضي اللّه عنه في هذا الفصّ : إنا ما وصفنا الحق بوصف من الأوصاف إلا كنا عين ذلك الوصف ، وقد وصف الحق نفسه لنا ، فمتى شاهدناه ؛ شهدنا أنفسنا ، ومتى شاهدنا ؛ شاهد نفسه . قال المعترض : وهذا كفر صريح ؛ لأن ذات الإنسان وصفته لا تكون عين وصف اللّه ونفسه إلا في مذهب الحلول والاتّحاد ، ومشرب الوجود والإباحي وأهل الإلحاد ، انتهى . أقول : في بيان المراد من معنى هذه الجملة الشريفة عند هذا العارف ؛ ليعلم أن جميع العلماء متفقون على أن للحق تعالى تجلّيات لا عدّ لها ولا حصر ، ولا أمد لها ولا انقضاء ، وإن كل تجلّ لا بدّ له من مجلي خاص يعلم به المتجلّي ، ويتميّز به التجلّي عن باقي التجلّيات . ولا شك إن كل مجلي هو وصف من أوصافه تعالى ، وبه يكون له تعالى اسم من الأسماء ، وبالضرورة لا بدّ وأن يكون لهذا الوصف صورة في العلم الإلهي ، وكل صورة علمية هي حقيقة كون من الأكوان ، لما أسلفناه من أن الصور العلمية هي الأعيان الثابتة التي هي حقائق الأكوان ، فما خرج كل وصف عن أن يكون حقيقة كونية ، فكان قول هذا العارف رضي اللّه عنه : إنا ما وصفناه بوصف من الأوصاف إلا كنا عين ذلك الوصف قولا في غاية الدقة والتحقيق في العلم الإلهي ، ولا حلول ولا اتّحاد ، ولا كون نفس الشيء صفة له تعالى . بقي قوله : فمتى شاهدناه شاهدنا أنفسنا أي : حقائقنا العلمية التي هي أعياننا الثابتة صور صفاته تعالى ، ومتى شاهدنا هو شاهد نفسه ، وذلك إن العارف صاحب