مجموعة مؤلفين

208

النور الأبهر في الدفاع عن الشيخ الأكبر

--> - للعالم أزلا ، فاللّه في مرتبته بأسمائه الحسنى مسمى منعوتا موصوفا ، فعين أوليته عين آخريته ، وعين ظاهريته عين باطنيته ، لا يقال هو أول بنسبة كذا ولا آخر بنسبة كذا ، فإن الممكن مرتبط بواجب الوجود ارتباط افتقار إليه في وجوده ، فإن وجد لم يزل عن إمكانه ، وإن عدم أو بقي على عدم لم يزل عن إمكانه ، فكما لم يدخل على الممكن في وجوده وصف يزيله عن إمكانه ، كذلك لم يدخل على الخالق الواجب الوجود في إيجاده العالم وصفا يزيله عن وجوبه ، فلا يعقل الحق إلا هكذا ، ولا يعقل الممكن إلا هكذا ، فإن فهمت علمت معنى الحدوث ومعنى القدم ، انتهى . أقول : قد بين الشيخ في هذا الكلام أن آثار الأسماء تترتب على الأعيان الثابتة ، فلا يلزم تعطيل الإلهية بحدوث العالم ، وهذا الذي خاف منه الحكماء ، فقالوا : بقدم العالم حتى لا يلزم تعطيل الإلهية ، ولا حدوث أمر للذات لم يكن عليه ، لأنها واجبة من جميع الجهات ليس لها جهة ، ممكنة ، وبهذا شنعوا على القائلين : بحدوث العالم . قال ابن سينا في كتاب « المبدأ والمعاد » : إن هؤلاء المعطلة الذين عطلوا اللّه عن وجوده ، ثم تكلم على ما يلزم من حدوث العالم ، وهو في هذا الكتاب يسمى من يقول بحدوث العالم معطلا في مواضع منه هذا على أسلوبه ، وأما على أسلوب الشيخ رضي اللّه عنه فلا يلزم تعطيل الإلهية ؛ لأن الأعيان الثابتة مظهر آثارها ، ومطرح أنوارها . وإلى هذا أشار الشيخ في الباب الحادي والأربعين بعد ما تكلم على إدراك ، الأشياء بنور الشمس ونور البصر معا ، فقال : « ونظيره الذي يؤيده إيجاد العالم » فإنه من حيث ذاته عدم ولا يكتسب الوجود إلا من كونه قابلا لإمكانه ، والحق قادر على إيجاده ، فلو زال القبول للإيجاد من الممكن لكان كالمحال الصرف لا يقبل الإيجاد ، وقد اشترك المحال والممكن في العدمية ، ولو لم يكن اقتدار الحق ما وجد عين هذا المعدوم الذي هو الممكن ، فلم تظهر الأعيان العدمية في الوجود إلا بكونها قابلة وهو مثل نور البصر ، وكون الحق قادرا وهو مثل نور الشمس فظهرت الأعيان كما ظهرت المبصرات بالنورين ، فكما أن الممكن لا يزال قابلا ، والحق قادرا فيحفظ عليه البقاء في الوجود ، وهو من ذاته عدم ، كذلك الباصر لا يزال نور بصره في بصره والشمس متجلية بنورها ، فيحفظ الأبصار للمبصرات ، وهي من ذواتها غير منورة ، بل هي مظلمة ، فأعقل إن كنت تعقل فهذا الأمر أصل ضلال العقلاء لما لم يعقلوه .