مجموعة مؤلفين

177

النور الأبهر في الدفاع عن الشيخ الأكبر

قال الجنيد : وهو الآن على ما عليه كان « 1 » ، بعد أن ذكر هذا الحديث ولفظه ، كان معناه وجد ، فالذات الأحدية المعبّر عنها بالوجود المطلق موجودة في الخارج قطعا ، وأن

--> ( 1 ) انظر : كتابنا الجنيد ( ص 247 ) ، قال مشيرا بذلك إلى أن كثرة العالم التي لا تحصى ولا تتناهى ما أخرجت الحق عز وجل ألا يكون معه أحد ؛ إذ مرتبة الأحدية ثابتة له أزلا وأبدا ، فكثرة العالم لا تخرجه عنها . قال تعالى : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [ الإخلاص : 1 ] : أي من كان له المرتبة الإلهية الواحدية التي لا تتناهى كثرة ، هو الأحد الذي لا شيء معه ، المنزّه عن أن يكون له اسم أو رسم ، كما أشير إليه بقوله تعالى : ( هو ) فإنه ضمير غيبة ، بل هو غيب الغيبة ؛ لعدم تقدم المرجع ، فكانت المراتب لا تتزاحم ، بل لكل حكم أزل الآزال وأبد الآباد ، أو أن الإشارة بذلك إلى أن العالم كله وإن كان له وجود صوري لكنه يرجع من وجه إلى العدم ، فإن الوجود لصاحبه ، وهو الظاهر ، والمظاهر تتلاشى من حيث نفسها ، قال تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] : أي وجه ذلك الشيء ، وهو الحق تعالى الوجود الخير ، فكان العالم من هذه الحيثية عدما محضا ، فرجع الحال مع هذا الوجود الصوري إلى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « كان اللّه ولم يكن معه شيء ثان » ، وإلى قول الجنيد : ( وهو الآن على ما عليه كان ) ، والمدينة : المكان الذي فيه الأنواع المتكثرة والأجناس المختلفة ، مع لوازمها وأحكامها ، والمراد بها المرتبة العمائية ، مرتبة الإنسان الكامل الذي جمع تفصيل كل شيء ، ومع ذلك يرى أن لا شيء ، فهذه المرتبة المتأخرة الجامعة ، عين المرتبة المتقدمة التي هي لا كثرة فيها ولا تفصيل ، بل لا غيرية أصلا ، ففي المدينة استعارة ، حيث استعيرت للمرتبة المذكورة ، وأضيفت إلى الجملة بعدها ؛ دفعا لتوهم ثبوت الكثرة التي تكون في المرتبة : أي بأن يكون لتلك الكثرة وجود غير وجوده تعالى ، بل كلها لا وجود لها ، فهي العدم الصرف ، ولا يخفى ما في قوله : « من مكة كان اللّه ، ولم يكن معه شيء ثان ، إلى مدينة ، وهو الآن على ما عليه كان » . من اللطافة التي فيها مطابقة الظاهر للباطن ، فإن هجرته كانت من مكة المشرفة محل التوحيد الصرف ، حيث لم يكن معه صلى اللّه عليه وسلم موحد غيره ، حتى بعث فهاجر من محل التوحيد الصرف إلى عالم الشهادة ، بل إلى نوع آخر منه ؛ ليجمع ما كان متفرقا ومنتشرا ، فرجع الكل إليه ، فكان الأمر على ما كان عليه من التوحيد ، ولم يكن للتفرق والانتشار حكم في قلم التوحيد . وفي هذه الجملة حل هذا الحديث الشريف المشهور بين القوم ، وحل ما ضمنه الجنيد سيد الطائفتين ، فكان هذا لخفائه من قبيل الاصطلاحات ، بل هو أول الاصطلاحات ؛ لأن علماء الرسوم لا يحومون حول هذا المعنى المذكور . انظر : كشف الأسرار ( ص 113 ) .