مجموعة مؤلفين

168

النور الأبهر في الدفاع عن الشيخ الأكبر

المقام الرابع مما أورده السعد - رحمه اللّه - على سيدنا الشيخ الأكبر ، ومن حذا حذوه وتبعه في أن الوجود واحد شخصي ، وموجود خارجي . قال السعد : وإن من البين المعلوم أن الوجود من الأمور الاعتبارية ، والمعقولات الثانية التي لا يحاذي بها أمر في الخارج ، أي : الواقعة في الدرجة الثانية من التعقّل ، فإنا ما لم نتحقق أن لها ماهيات كالإنسان والفرس ، والشجر والحجر ، لا يمكن أن تعقل أن لها وجودا ، ولا وجود للمعقولات الثانية ؛ لكونها كليات إلا في الذهن ، كما إنه لا وجود للعام إلا في الخاص ، انتهى . أقول : إن الجواب الكافي في ردّ هذا كله ، هو أن الوجود الذي يراد به الحق تعالى في اصطلاح القوم ، هو غير ما ذكره العلّامة السعد ، وهو بالبديهة غيره ؛ لأن ما ذكره السعد مقيّد بكونه كليّا ، والوجود المصطلح عليه عندهم لا يوصف بكلية ولا جزئية ، وإن السعد نفسه يعبّر فيه على لسانهم بالوجود المطلق ، على أن نمنع أن الوجود أمر اعتباري ، فإنه متحقّق في نفسه من غير اعتبار المعتبّر . ألا ترى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « كان اللّه ولا شيء معه » « 1 » ، فإن كان من الكون وهو الوجود ؛ فالوجود كائن ولا شيء ، فأين اعتبار المعتبّر له ، وهو واضح على أن السعد - رحمه اللّه - موافق للأشعري ، والأشعري قسّم الوجود إلى الواجب والممكن ، والمقسّم متحقّق في الأقسام ؛ لأن المقسّم يراد به مطلق الشيء المنقسم ، وهو هنا مطلق الوجود ، فيكون وجود الواجب أمرا اعتباريا ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا .

--> ( 1 ) رواه الحكيم الترمذي في « النوادر » ( 4 / 104 ) ، وذكره ابن حجر في « فتح الباري » ( 6 / 289 ) .