محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

90

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

ومن لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها ، ومن شكرها قيدها بعقالها . شكر النّعم موجب لبقائها والزيادة منها ، وكفرانها وعدم شكرها موجب لزوالها وانفصالها قال اللّه تعالى : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [ إبراهيم : 7 ] . وقال اللّه تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ [ الرعد : 11 ] أي : إذا غيّروا ما بهم من الطاعات وهي شكر النعم غيّر اللّه تعالى ما منه إليهم من الإحسان والكرم . واجتمعت حكماء العرب والعجم على هذه اللفظة فقالوا : الشكر قيد النعم . وقالوا : « الشكر قيد للموجود وصيد للمفقود » وكان يقال : « النعم إذا روعيت بالشكر فهي أطواق ، وإذا روعيت بالكفر فهي أغلال » . والشكر على ثلاثة أوجه : شكر بالقلب ، وشكر باللسان ، وشكر بسائر الجوارح . فشكر القلب : أن يعلم أن النعم كلّها من اللّه تعالى ، قال اللّه تعالى : وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [ النحل : 53 ] . وشكر اللسان : الثناء على اللّه تعالى ، وكثرة الحمد والمدح له ، ويدخل فيه التحدث بالنعم وإظهارها ونشرها قال اللّه تعالى : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [ الضحى : 11 ] . وقال عمر بن عبد العزيز « 1 » رضي اللّه تعالى عنه : « تذكّروا النعم ، فإن تذكّرها شكر » « 2 » . ومن شكر اللسان أيضا شكر الوسائط بالثناء عليهم والدعاء لهم : وفي حديث النعمان بن بشير « 3 » رضي اللّه تعالى عنه : « أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : من لم يشكر القليل لم

--> ( 1 ) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي القرشي ( 61 - 101 ه - 681 - 720 م ) أبو حفص الخليفة الصالح ، والملك العادل ، ولد ونشأ بالمدينة . ولي الخلافة بعهد من سليمان فبويع في مسجد دمشق ، وسكن الناس في أيامه ، فمنع سب عليّ بن أبي طالب ولم تطل مدته حيث دس له السم فمات . وكان يدعى « أشج بني أمية » ، وربما قيل له خامس الخلفاء الراشدين تشبيها له بهم . ( الأعلام 5 / 50 ، وشذرات الذهب 1 / 119 ، وتهذيب الكمال 14 / 115 ) . ( 2 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 4 ، 278 ، 375 ) . ( 3 ) النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري ( 2 - 65 ه - 623 - 684 م ) أبو عبد اللّه . أمير خطيب ، شاعر ، من أجلاء الصحابة من أهل المدينة . له 124 حديثا . شهد صفين مع معاوية وولي القضاء بدمشق ، وولي اليمن لمعاوية ، ثم استعمله على الكوفة تسعة أشهر ، وعزله وولاه حمص ، واستمر فيها إلى أن مات يزيد بن معاوية فبايع النعمان لابن الزبير ، وتمرد أهل حمص ، فخرج هاربا ، فأتبعه خالد بن خلّي فقتله . ( الأعلام 8 / 36 ، وأسد الغابة 5 / 22 ، وتهذيب الكمال 19 / 98 ) .