محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
62
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
حسن الظنّ باللّه تعالى أحد مقامات اليقين ، والناس فيه على قسمين : خاصة ، وعامة ؛ فالخاصة حسّنوا الظنّ به لما هو عليه من النعوت السنية ، والصفات العلية ، والعامة حسّنوا الظنّ به لما هم فيه من سبوغ النعم ، وشمول الفضل والكرم . والتفاوت بين المقامين ظاهر ، ولذلك لا يخاف من التغير والانقلاب في أحدهما ما يخاف في الآخر ؛ لأن أرباب المقام الأول لمّا تحققوا في المعرفة باللّه تعالى ، واحتظوا « 1 » بأنوار اليقين ، به اطمأنت قلوبهم وسكنت نفوسهم فلم يبق فيهم متسع لوجود تهمة ولا مجال لسوء ظن . وأرباب المقام الثاني لم يرتقوا عن نظرهم إلى الأفعال ، وهي متلوّنة عليهم في كل حال ، وعند وقوع بعض ما لا يلائمهم منها ، فهم ربما تضعف عن تحمل مكارهها قوى قلوبهم ، فلا تحصل لهم البراءة من خواطر سوء الظنّ باللّه تعالى وتحدّث النفس بما يقتضى وجود هلع وجزع ، فليكن العبد عند ذلك مشاهدا معنى قوله عزّ وجل وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [ البقرة : 216 ] وما أشبهه ، وليقس النادر على الغالب . قال أبو محمد عبد العزيز المهدوي ، رضي اللّه عنه : « حسن الظنّ عبارة عن قطع الوهم أن يكون أو لا يكون ؛ لأن الوهم قاتل وهو لوقت ثان ، فمتى أعطيت أذنك للوهم هلكت وحدك ، وكذلك الإصغاء بالأذن إلى الشيطان والنفس جنس واحد » انتهى . قلت : وحسن الظن يطلب من العبد في أمر دنياه وفي أمر آخرته ؛ أمّا أمر دنياه : فأن يكون واثقا باللّه تعالى في إيصال المنافع والمرافق إليه من غير كدّ ولا سعى فيها ، أو سعي خفيف مأذون فيه ومأجور عليه بحيث لا يفوّته ذلك شيئا من نفل ولا فرض ، فيوجب له ذلك سكونا وراحة في قلبه وبدنه ، فلا يستفزه طلب ولا يزعجه سبب . أما أمر آخرته : فأن يكون قويّ الرجاء في قبول أعماله الصالحة وتوفية أجوره عليها في دار الثواب والجزاء ، فيوجب له ذلك المبادرة لامتثال الأمر والتكثير في أعمال البرّ بوجود حلاوة واغتباط ، ولذاذة ، ونشاط . وقد قال يحيى بن معاذ « 2 » رضي اللّه عنه : « أوثق الرجاء رجاء العبد لربّه ، وأصدق الظنون حسن الظن باللّه تعالى » .
--> ( 1 ) الحظوة : المكانة والمنزلة عند الناس . ( 2 ) يحيى بن معاذ بن جعفر الرازي ( توفي سنة 258 ه - 872 م ) أبو زكريا ، واعظ ، زاهد ، لم يكن له نظير في وقته . من أهل الري ، أقام ببلخ ، ومات في نيسابور ، له كلمات سائرة منها : « من خان اللّه في السر ، هتك اللّه ستره في العلانية » . ( الأعلام 8 / 172 ، والرسالة القشيرية ص 414 ، ووفيات الأعيان 6 / 165 - 168 ) .