محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
54
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
للنفس إذا نالها الذلّ وذهاب ملك النفس إذا ردّ عليه قوله . . . إلى غير ذلك من النعوت الذميمة والأخلاق اللئيمة ، وأصل فروعها وعنصر ينابيعها ، إنما هو رؤية النفس والرضا عنها وتعظيم قدرها وترفيع أمرها ، فبهذه الأمور كفر من كفر ونافق من نافق ، وعصى من عصى ، وبها خلع من عنقه ربقة « 1 » العبودية لربّه عزّ وجلّ من خلع حسبما يقوله المؤلف رحمه اللّه بأثر هذا « وشأن الصوفي إنما هو النظر فيما يطهرها ويزكيها من أنواع الرياضات والمجاهدات ، وقد بيّنوا طرق ذلك في كتبهم ، قال الشيخ أبو طالب ، رضي اللّه عنه : « فلا يكون المريد بدلا حتى يبدل بمعاني صفات الربوبية صفات العبودية ، وأخلاق الشياطين بأوصاف المؤمنين ، وطبائع البهائم بأوصاف الروحانيين من الأذكار والعلوم ، فعندها يكون بدلا مقرّبا » . قال : « والطريق إلى هذا بأن يملك نفسه ، فبملكها تسخّر له ويسلّط عليها ؛ إن أردت أن تملك نفسك فلا تملّكها ، وضيّق عليها ولا توسّع لها ، فإن ملّكتها ملكتك ، وإن لم تضيّق عليها اتسعت عليك ، وإذا أردت الظفر بها فلا تعرّضها لهواها ، واحبسها عن معتاد ملائمها ، فإن لم تمسكها انطلقت بك ، وإن أردت أن تقوى عليها فاضعفها بقطع أسبابها وحبس موادّها وإلّا قويت عليك فصرعتك » انتهى . فإذا قام بذلك المريد على الوجه الذي رسموه له ، والتزم الوظائف التي أمروه بها طهر قلبه وتزكّت نفسه ، واتصفت بمحاسن الصفات التي تزيّنه بين العباد ، وينال بها من قرب ربّه غاية المراد ، فيظهر حينئذ عليه آثار حميدة من التواضع للّه والخشوع بين يديه ، والتعظيم لأمره ، والحفظ لحدوده ، والهيبة له ، والخوف منه ، والتذلل لربوبيته ، والإخلاص في عبوديته ، والرضا بقضائه ، ورؤية المنّة له عليه في منعه وإعطائه ، ويتصف فيما بين خلقه بالرأفة والرحمة واللين والرفق وسعة الصدر ، والحلم ، والاحتمال ، والصيانة ، والنزاهة ، والأمانة ، والثقة ، والعطف ، والتأني ، والوقار ، والسخاء ، والجود ، والحياء ، والبشاشة ، والنصيحة ، وسلامة الصدر ، إلى غير ذلك من أخلاق الإيمان التي ينال بها العبد غاية السعادة والحسنى والزيادة . قلت : وهذان المعنيان هما اللذان يعبّر عنهما أئمة الصوفية ، رضي اللّه عنهم ، بالتخلّي والتحلّي ، أي : التخلّي عن الصفات المذمومة ، والتحلي بالصفات المحمودة ، ويعبّرون عنهما أيضا ب « التزكية والتحلية » وهما حقيقة السلوك الذي يعبّرون عنه أيضا ، وستأتي الإشارة إلى كيفية ذلك عند قوله ( لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين ) . فإذا صحّ للمريد هذا السفر وانقلب منه إلى أفضل مستقر تحققت عبوديته لربّه
--> ( 1 ) الرّبقة : العروة . يقال : حلّ ربقته أي فرّج كربته .