محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

51

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

الْخائِضِينَ [ المدثر : 45 ] ، وقال اللّه تعالى : بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ [ الدخان : 9 ] ، وقال رضي اللّه تعالى عنه : تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب خير من تشوفك إلى ما حجب عنك من الغيوب . حكم المريد أن يتشوّف إلى معرفة ما غاب عنه من معايب نفسه ويتطلّبها ، ويبحث عنها ؛ فإن ذلك هو حق الحق تعالى منه ، فينبغي أن يحرص عليه ، ويصرف عنان « 1 » اعتنائه إليه ، ليحصل له صفاء أعماله من الآفات ، ونقاء أحواله من الكدورات ، وينتفي عنه الجهل والغرور ، وتنقطع عن باطنه مواد الشرور . وقد ذكر الشيخ أبو حامد الغزالي ، رضي اللّه عنه ، في كتابه : « رياضة النفس » فصلا في الطريق الذي به يتعرّف الإنسان عيوب نفسه ، فلينظر فيه المريد ، وقد جعل حاصله أربعة أوجه : « أحدها : أن يجلس بين يدي شيخ بصير بالعيوب والآفات فيحكّمه في نفسه ويتبع إشارته فيما يشير به عليه . والثاني : مصاحبة صديق صدوق يجعله رقيبا على أحواله وأعماله ، لينبّهه على ما يخفى عليه من مذامّ خلاله . والثالث : أن يستفيد معرفة عيوبه من أعدائه ، إذ لا بدّ من جريان ذلك على ألسنتهم عند ثلبهم وعيبهم . والرابع : أن يستفيد ذلك من مخالطة الناس إذ يطّلع بذلك على مساويهم ، فإذا اطّلع عليها منهم وعلم أنه لا ينفك هو عن شيء منها ؛ لأن الطباع البشرية في ذلك متقاربة ، وقد يظهر له في نفسه ما هو أعظم مما يراه في غيره فيطالب نفسه حينئذ بالتطهّر منها ، والتنزّه عنها فهذا تلخيص ما ذكره . ثم قال : « وهذه كلها حيل من فقد شيخا عارفا ذكيا بصيرا بعيوب النفس ، مشفقا ، ناصحا في الدين ، فارغا من تهذيب نفسه ، مشغولا بتهذيب عباد اللّه ، ناصحا لهم ، فمن وجد الطبيب فليلازمه ، فهو الذي يخلّصه من مرضه ، وينجيه من الهلاك الذي هو بصدده » . انتهى . وأما طلبه للغيوب المحجوبة عنه من خفايا القدر « 2 » ، ولطائف العبر ؛ فإنه حظ نفسه ، لا حقّ عليه فيه للحق تعالى ، فليطب عنها نفسا ولا يشغل بها عقلا ولا حسّا ، وما

--> ( 1 ) العنان : سير اللجام الذي تمسك به الدابة . ( 2 ) القدر : القضاء الذي يقضي به اللّه على عباده ( ج ) أقدار .