محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
48
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
ينخدع بما يتوهمه من صلاح سريرته دون علانيته ، فمن ادّعى بقلبه معرفة اللّه تعالى ومحبته ، ولم تظهر على ظاهره ثمرات ذلك وآثاره من اللّهج بذكره والمسارعة إلى اتّباع أمره ، والاغتباط بوجوده والاستبشار عند يقين شهوده والفرار من القواطع الشاغلة عنه ، والإضراب عن الوسائط المبعدة منه ، فهو كذّاب في دعواه ، متخذ آلهة هواه ، فإن كان موصوفا بأضداد هذه الخصال ، ومنحرفا بظاهره عن جادة الاعتدال ، فهو في دعواه أكذب ، وحاله للنفاق والشرك أقرب . قال الشيخ أبو طالب المكّي رضي اللّه عنه : « قد جعل اللّه تعالى وصف الكافرين أنهم إذا ذكر اللّه وحده في شيء انقبضت قلوبهم ، وإذا ذكر غيره في شيء فرحوا ، وجعل من نعوتهم أنهم إذا ذكر اللّه تعالى بتوحيده وإفراده بشيء غمطوا ذلك وكرهوه ، وإذا أشرك غيره في ذلك صدقوا به فقال تعالى : وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ، وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [ الزمر : 45 ] . وقال أيضا : ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا [ غافر : 12 ] . والكفر : التغطية ، والشرك : الخلط ، أي أنه يخلط بذكره ذكر سواه ، ثم قال : فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [ غافر : 12 ] . يعني : لا يشركه خلق في حكمه ؛ لأنه العلي في عظمته ، الكبير في سلطانه ، لا شريك له في ملكه وعطائه ، ولا نظير له من عباده ، ففي دليل هذا الكلام وفهمه من الخطاب : أن المؤمنين إذا ذكر اللّه بالتوحيد والإفراد في شيء انشرحت صدورهم ، واتسعت قلوبهم واستبشروا بذكره وتوحيده ، وإذا ذكرت الوسائط والأسباب التي دونه كرهوا ذلك واشمأزت قلوبهم ، وهذه علامة صحيحة فاعرفها من قلبك ومن قلب غيرك ، لتستدل بها على حقيقة التوحيد في القلب ، أو وجود خفي الشرك في السرّ إن كنت عارفا » انتهى . قلت : وهذه المسألة التي تضمنها كلام الشيخ أبي طالب المكّي رضي اللّه عنه من أعظم المسائل على صدق الصادق وكذب الكاذب ، ومن أوضح الدلائل . ولما كان قصدنا في هذا التنبيه استغنام ذكر الفوائد العجيبة والحرص على رسم المقاصد الغريبة لغربة الدين في هذا الزمان الرّذل واستيلاء الغرّة والجهل على المنسوبين إلى العلم والفضل حسن منّا إيراد هذه الكلمات على وجه ضرب المثل والاكتفاء بالنّهل « 1 » عن العلل « 2 » ليعمل بمقتضى ذلك مريد سالك ولينتهج من مناصحة ربّه في دينه وقلبه أوضح المسالك . واحمل على هذا الأسلوب كل كلام لم تظهر لك مطابقته ، ولم تتم في نظرك مناسبته ، لتسلم بذلك من الأغراض ، وتعلو همّتك عمّا تولع به أصحاب القلوب المراض عافانا اللّه بمنّه وفضله .
--> ( 1 ) النّهل : الشرب الأول حتى الارتواء . ( 2 ) العلل : الشرب الثاني .