محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
45
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
فعن قريب إن شاء اللّه ينجلي الأمر ويستوجب من اللّه تعالى جزيل الأجر ، واللّه تعالى وليّ التوفيق . قال أحمد بن أبي الحواري « 1 » ، رضي اللّه عنه : قال لي أبو سليمان الداراني « 2 » : جوع قليل ، وعرى قليل ، وذل قليل ، وصبر قليل ، وقد انقضت عنك أيام الدنيا » . واعلم أن ما ذكرناه من الصبر هو جماع كلّ فضيلة ، وملاك كلّ فائدة جزيلة ومكرمة نبيلة ، قال اللّه تعالى : وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا [ الأعراف : 137 ] وقال اللّه تعالى : وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا [ السجدة : 24 ] . وقال عزّ من قائل : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ الزمر : 10 ] ، وفي وصية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لابن عباس رضي اللّه عنهما : « وإن استطعت أن تعمل للّه بالرضا في اليقين فافعل ، وإن لم تستطع فاصبر ، فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا ، واعلم أن النصر مع الصبر ، والفرج مع الكرب ، واليسر مع العسر « 3 » » . وقال عمر بن الخطاب ، رضي اللّه عنه ، لرجل : « إن صبرت مضى أمر اللّه وكنت مأجورا ، وإن جزعت مضى أمر اللّه وكنت مأزورا » وقال علي رضي اللّه عنه : « الصبر مطيّة لا تكبو ، وسيف لا ينبو » . وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : « أفضل العدّة الصبر عن الشدة » . وفي بعض الأخبار : انتظار الفرح بالصبر عبادة ، وقد قال الشاعر : إن الأمور إذا انسدّت مسالكها * فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا « 4 » لا تيأسنّ ، وإن طالت مطالبة * إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
--> ( 1 ) أحمد بن أبي الخواري ( توفي 230 ه / 845 م ) أبو الحسين من أهل دمشق ، صحب أبا سليمان الداراني وغيره . من كلامه « ما ابتلى اللّه عبدا بشيء أشد من الغفلة والقسوة » . ( الرسالة القشيرية ص 410 ) . ( 2 ) أبو سليمان الداراني ( توفي سنة 215 ه - 830 م ) عبد الرحمن بن أحمد بن عطية العنسي المذحجي ، أبو سليمان . زاهد مشهور من أهل داريا . رحل إلى بغداد ، وأقام بها مدة ، ثم عاد إلى دمشق وتوفي في بلده . كان من كبار المتصوفين . له أخبار في الزهد . من كلامه : « خير السخاء ما وافق الحاجة » . ( الأعلام 3 / 293 ، وحلية الأولياء 9 / 254 ، ووفيات الأعيان 3 / 131 ) . ( 3 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 1 ، 307 ) . ( 4 ) أرتج الباب : أغلقه إغلاقا وثيقا .