محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
40
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
سواه إذا كان ما أنت فيه مما يوافق لسان العلم ، فإن ذلك من سوء الأدب مع اللّه تعالى ، فاصبر لئلا تطلب الخروج بنفسك ، فتعطى ما طلبت وتمنع الراحة فيه ، فربّ تارك شيئا وداخل في غيره ليجد الثروة والراحة فيتعب ، وقوبل بوجود التعسير عقوبة لوجود الاختيار » . انتهى كلامه في التنوير ، وهو كالتفسير لما ذكره هنا ، فلذلك أوردته . ما أرادت همة سالك أن تقف عندما كشف لها إلا ونادته هواتف الحقيقة : الذي تطلب أمامك ، ولا تبرحت ظواهر المكونات إلا ونادتك حقائقها إنما نحن فتنة فلا تكفر . السائر إلى اللّه تعالى تتجلى له في أثناء سلوكه أنوار ، تبدو له أسرار ؛ فإن أرادت همّته أن تقف عندما كشف لها من ذلك ؛ لاعتقاده أنّه وصل إلى الغاية القصوى والنهاية من المعرفة نادته هواتف الحقيقة : المطلوب الذي تطلبه أمامك فجدّ في السير ولا تقف ، فإن تبرّجت « 1 » له ظواهر المكونات بزينتها فمال إلى حسنها وجمالها نادته حقائقها الباطنة ( إنما نحن فتنة فلا تكفر ) وغمّض عينيك عن ذلك ولا تلتفت إليه ، ودم على سلوكك وسيرك ، واعلم أنه ما دامت لك همّة « وإرادة » فأنت بعيد في الطريق لم تصل ، فلو فنيت عنها لوصلت ، وما أحسن قول الشيخ أبي حسن الششتري في هذا المعنى : ولا تلتفت في السير غيرا فكلّ ما * سوى اللّه غير فاتخذ ذكره حصنا وكلّ مقام لا تقم فيه إنّه * حجاب ، فجدّ السير ، واستنجد العونا ومهما ترى كلّ المراتب تجتلى * عليك فحل عنها ، فعن مثلها حلنا وقل : ليس لي في غير ذاتك مطلب * فلا صورة تجلى ولا طرفة تجنا « 2 » وقد رأيت لسيدي أبي الحسن الشاذلي ، رضي اللّه عنه ، كلاما حسنا مناسبا لما ذكره المؤلف ، رحمه اللّه ، هنا من الترقّي في الأحوال وظهور النقص في رؤية الكمال ، فرأيت أن أذكره هاهنا بنصّه ؛ لما فيه من سني الفوائد وشريف المقاصد قال رضي اللّه عنه : اعلم أنك إذا أردت أن يكون لك نصيب مما لأولياء اللّه تعالى فعليك برفض الناس جملة ، إلّا من يدلّك على اللّه تعالى بإشارة صادقة وإعمال ثابتة لا ينقضها كتاب ولا سنة ، واعرض عن الدنيا بالكلية ، ولا تكن ممن يعرض عنها ليعطى شيئا على ذلك ، بل كن في ذلك عبدا للّه أمرك أن ترفض عدوّه ؛ فإن أتيت بهاتين الخصلتين : الإعراض عن الناس ، والزهد في الدنيا فأقم مع اللّه بالمراقبة والتزام التوبة بالرعاية ، والاستغفار والإنابة والخضوع للأحكام بالاستقامة .
--> ( 1 ) تبرجت السماء : تزينت بالكواكب . ( 2 ) الطّرفة : النادرة والملحة ( ج ) طرف .