محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
مقدمة 2
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
أن امتلأ من العلوم الشرعية ، فأخذ في المباحثة على الأسرار الإلهية ، حتى أشير إليه ، وتكلم في علوم الأصول والمقامات ، والعلل والآفات ، فحل كثيرا من المشكلات وألف تآليف عجيبة ، وتصانيف بديعة غريبة وكان - رضي اللّه عنه - الغالب عليه الحياء من اللّه تعالى ، والتنزل بين يدي عظمته ، وتنزيله نفسه منزلة الحشرات ، لا يرى لنفسه مزيّة على مخلوق ، لما غلب عليه من هيئة الجلال ، وعظمة المالك ، وشهود المنة . . . وكان مع ذلك آية في التحقق ، وكان ذا صمت وسمت ، وتجمل وزهد ، وتواضع وعفاف ، معوّلا في حل المشكلات على فتح العلام العليم ، كثير الوقار والحياء ، جميل اللقاء ، حسن الخلق والخلق ، عالي الهمة متواضعا ، معظما عند الخاصة والعامة . قال الإمام القسطيني : « كنت إذا طلبته للدعاء احمرّ وجهه واستحيى كثيرا ويدعو لي ، وكان أكثر تمتعه من الدنيا بالطيب والبخور الكثير ، ويتولى خدمة نفسه وكان الذي طلبه في وضع الشرح على الحكم العطائية : سيدي أبو زكريا السراج ، فلم تسعه مخالفته . وقد قرّب بها - رضي اللّه عنه - حقائق الشاذلية ، كما قرب ابن رشد مذهب الإمام مالك . قال سيدي أحمد بن زرّوق : « شرحت الحكم ستة وثلاثين شرحا ، فأبى اللّه إلا ابن عباد في الظهور والاستعمال » . ورحل رضي اللّه عنه إلى طنجة وفاس « 1 » وتلمسان « 2 » وقدم إلى سلا فلقي بها الشيخ الحاج الصالح السني الزاهد الورع سيدي أبا العباس أحمد بن عمر بن محمد بن عاشر ، الولي المشهور ، فأقام معه وصحبه سنين مديدة ، وأخذ عنه طريقة الشاذلي ، وانقطع إليه ولازم خدمته إلى أن توفي - رضي اللّه عنه . . . وكانت وفاته - رضي اللّه عنه ونفع به - عام : سبعمائة وسبعة وسبعين ، ( 777 ) ه فرحل سيدي ابن عباد بعد وفاته إلى حضرة فاس ، حرسها اللّه من كل بأس . وتولى الإمامة والخطابة بمسجد القرويين من حضرة فاس ، ومكث بها خمسة عشر عاما : يدرس ويخطب ويعظ الناس ، وله خطب مدوّنة بالمغرب مشهورة بأيدي الناس ، يقرءونها فيما يتعلق بمولد النبي - صلى اللّه عليه وسلم - بين يدي السلطان تبركا ، وله - رضي اللّه عنه - تلامذة أخيار مباركون . وكان - رضي اللّه عنه - مما منّ اللّه به عليه : تألّف قلوب الصغار ، فهم يحبونه محبة تفوق محبتهم لآبائهم وأمهاتهم ، وينتظرون خروجه للصلاة ، وهم عدد كثير ، يأتون من كل درب ومن المكاتب البعيدة ، فإذا رأوه : ازدحموا على تقبيل يديه ، وكذا كان ملوك زمانه يزدحمون عليه ، ويتذللون بين يديه ، وكان إذا خطب في الناس أبكاهم كبيرا
--> ( 1 ) إحدى مدن المملكة المغربية . كانت عاصمة المغرب بها جامعة القرويين المشهورة . ( 2 ) تقع شمال الجزائر .