محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
361
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
ويفهم من معنى « الاستواء » القهر والغلبة ، ومقتضاهما في حقّ اللّه تعالى أن لا يكون لغيره وجود مع وجوده ، ولا ظهور مع ظهوره فلا جرم لمّا كان الحق مستويا برحمانيته على عرشه الذي العوالم كلّها في طيّه كان العرش غيبا في الرحمانية مندرجا فيها والعوالم كلها غيب في العرش ؛ لأنها في طيّه ، فلا ظهور إذن للعرش ، ولا للعوالم ، وإنما الظهور التامّ للّه عزّ وجلّ . محقت الآثار بالآثار . كما بين العوالم والعرش . ومحوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار . كما بين العرش والرحمانية ، ومحيطات أفلاك الأنوار ، هي : أسماء اللّه الحسنى ، واللّه تعالى أعلم . يا من احتجب في سرادقات عزّه عن أن تدركه الأبصار . عزّة اللّه تعالى اقتضت كون كلّ ما سواه محجوبا عن رؤيته للّه عزّ وجلّ ؛ فإن العزيز معناه المنيع الذي لا يوصل إليه ، يقال : « حصن عزيز » إذا تعذّر الوصول إليه . وقيل : العزيز : الذي لا يرتقى إليه وهم طمعا في تقديره ، ولا يسمو إلى صمديته فهم قصدا إلى تصويره . وقيل : العزيز : من ضلّت العقول في بحار تعظيمه ، وحارت الألباب دون إدراك نعته ، وكلّت الألسنة عن استيفاء مدح جلاله ، ووصف جماله ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » « 1 » . وذكر السرادقات مضافة إلى عزّه ، واحتجابه فيها ، مجاز حسن . يا من تجلى بكمال بهائه فتحققت عظمته الأسرار . كمال بهائه : محاسن صفاته وأسمائه ، فبظهور ذلك وتجلّيه تحققت عظمته أسرار العارفين . كيف تخفى وأنت الظاهر ، أم كيف تغيب وأنت الرقيب الحاضر ، واللّه الموفق وبه أستعين .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( صلاة ، 222 ) ، وأبو داود ( صلاة ، 148 ) ، ( وتر ، 5 ) ، والنسائي ( قيام الليل ، 51 ) ، والترمذي ( دعوات ، 75 ، 112 ) ، وابن ماجة ( دعاء ، 3 ) ، ( إقامة ، 117 ) ، والموطأ ( حسن القرآن ، 31 ) ، وأحمد بن حنبل ( 1 ، 96 ، 118 ، 150 ، 6 ، 58 ) .