محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
334
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
إنّ قرة « 1 » العين بالشهود على قدر المعرفة بالمشهود فالرسول صلوات اللّه عليه وسلامه ليس معرفة غيره كمعرفته فليس قرّة عين كقرّته . وإنما قلنا إن قرة عينه في صلاته بشهوده جلال مشهوده ؛ لأنه قد أشار إلى ذلك بقوله « في الصلاة » ولم يقل بالصلاة ؛ إذ هو صلوات اللّه عليه وسلامه لا تقرّ عينه بغير ربه وكيف وهو يدل على هذا المقام ويأمر به من سواه ؛ بقوله صلوات اللّه عليه وسلامه « اعبد اللّه كأنك تراه » « 2 » ومحال أن يراه ويشهد معه سواه . فإن قال قائل : قد تكون قرّة العين بالصلاة ، لأنها فضل من اللّه ، وبارزة من عين منّة اللّه فكيف لا يفرح بها ، وكيف لا تكون قرة العين بها وقد قال سبحانه : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا . . . ؟ [ يونس : 58 ] فاعلم أن الآية قد أومأت إلى الجواب لمن تدبّر سرّ الخطاب ؛ إذ قال ( فبذلك فليفرحوا ) وما قال فبذلك فافرح يا محمد ، قل لهم فليفرحوا بالإحسان والتفضل وليكن فرحك أنت بالمتفضّل ، كما قال في الآية الأخرى قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [ الأنعام : 91 ] . الصلاة هي أجلّ ما يتحف اللّه به عباده ، ويهديه إليهم ، وفي الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ما أوتي عبد في الدنيا خيرا من أن يؤذن له في ركعتين يصليهما » « 3 » ففيها ما يحصل لهم الخلوة معه ، والانفراد والمجالسة له ، والانقطاع إليه ، وفيها يرتفع عن قلوبهم الحجب والأستار ، ويتجلى فيها حقائق الأسرار ، وتشرق فيها شوارق الأنوار ، وفيها تكون المناجاة والمصافاة كما تقدم ، وهي صلة بين العبد وبين ربه عز وجل ، قال محمد بن علي الترمذي ، رحمه اللّه : « الصلاة عماد الدين ، وأول شيء فرضه اللّه على المسلمين ، وفي الصلاة إقبال اللّه على العبد ليقبلوا إليه في صورة العبيد تذللا وتسليما ، وتبتلا ، وتخضعا وترغيبا وتملقا ، فالوقوف تذلل ، والتكبير تسليم ، والثناء والتلاوة تبتل ، والركوع تخضع ، والسجود تخشع ، والجلوس ترعّب ، والتشهد تملق ، فأقبل العبيد إلى اللّه بهذه الصورة ليقبل اللّه عليهم بالترحم والتعطف والتقبل والتكرم والتقرب فليس شيء من أمر الدين أعظم من هذه ؛ ولهذا قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « الصلاة عماد الدين » « 4 » وقال في حديث آخر : « الصلاة نور » « 5 » وقال « لا يزال اللّه مقبلا بوجهه
--> ( 1 ) القرّة : ما قرت به العين ، يقال : هو قرة العين لما يرضي ويسر . ( 2 ) أخرجه البخاري ( إيمان ، 37 ) ، ومسلم ( إيمان ، 1 ، 5 ، 7 ) ، وأبو داود ( سنة ، 16 ) والترمذي ( إيمان ، 4 ) ، والنسائي ( إيمان 5 ، 6 ) ، وابن ماجة ( مقدمة ، 9 ) ، وأحمد بن حنبل ( 2 ، 107 ، 132 ) . ( 3 ) أخرجه الطبراني في ( المعجم الكبير ، 8 / 177 ) . ( 4 ) أخرجه ابن حجر في ( الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ، 4 ) ، والسيوطي الحلبي في ( الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ، 104 ) . ( 5 ) أخرجه مسلم ( طهارة ، 1 ) ، والترمذي ( دعوات ، 85 ) ، والنسائي ( زكاة ، 1 ) ، وابن ماجة ( طهارة ، -