محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
332
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
اعتقادا فشركه جلي ، وإما استنادا فشركه خفي . هذا هو بيان أحوال الناس بالنسبة إلى مشاهدة التوحيد ، ورؤية الوسائط والعبيد . فبدأ بذكر عامة الناس ، وهم الغافلون المنهمكون في غفلتهم ، أصحاب الظواهر والرسوم الذين قويت دائرة حسّهم فقيّدتهم ، ووقفوا معها ، وانطمست حضرة قدسهم فأبعدتهم ولم يجلوا بها فنظروا الإحسان من المخلوقين فتعبّدوا لهم وطمعوا فيهم ، ولم يشهدوه من ربّ العالمين فكفروا نعمته واستوجهوا سخطه ونقمته . ثم هم في ذلك على قسمين : أحدهما : أن يعتقدوا ذلك بقلوبهم أنه منهم ومن قبلهم . وهذا هو الشّرك الجليّ الذي يخرج صاحبه من دائرة الإسلام ويوقعه في الكفر ، والعياذ باللّه . والثاني : أن يحصل ذلك منهم استنادا ، إي اعتمادا ، على غير اللّه ، وسكونا إلى سواه ، مع سلامة عقدهم وصدورهم . وهذا هو الشرك الخفيّ الذي يخرج صاحبه عن حقائق الإيمان ويدخله أبواب النفاق . ونعوذ باللّه من الشرك جليّه وخفيّه . [ وصاحب حقيقة غاب عن الخلق بشهود الملك الحق . . . الخ ] وصاحب حقيقة غاب عن الخلق بشهود الملك الحق ، وفنى عن الأسباب بشهود مسبب الأسباب فهو عبد مواجه بالحقيقة ، ظاهر عليه سناها ، سالك للطريقة ، قد استولى على مداها ، غير أنه غريق الأنوار مطموس الآثار قد غلب سكره على صحوه ، وجمعه على فرقه ، وفناؤه على بقائه ، وغيبته على حضوره . هذا هو حال الخاصة من أرباب الحقائق ، وهم الذين غابوا عن [ شهود ] الخلق بشهود الملك الحق ، فلم يقع لهم شعور بهم ، ولا التفات إليهم ، وفنوا عن الأسباب برؤية مسبب الأسباب ، فلم يروا لها فعلا ولا جعلا ، فهم مواجهون بحقيقة الحق ظاهر عليهم سناها ، أي نورها وضياؤها ، سالكون طريقة الحقّ ، قد استولوا على مداها ، أي : وصلوا إلى غايتها ومنتهاها ، إلّا أنهم غرقوا في بحار أنوار التوحيد ، مطموس عليهم آثار الوسايط والعبيد ، أي : مغلق عليهم رؤية ذلك والشعور به قد غلب سكرهم ، وهو : عدم إحساسهم بالأغيار ، على صحوهم ، وهو : وجود إحساسهم بها ، وجمعهم ، وهو ثبوت وجود الحق فردا ، على فرقهم وهو ثبوت وجود الخلق ، وفناؤهم ، وهو : استهلاكهم في شهود الحق على بقائهم وهو شعورهم بالحلق ، وغيبتهم وهو ذهاب أحوال الخلق عن نظرهم على حضورهم مع الخلق . ومعاني هذه الألفاظ ، كما تراها ، متقاربة ، وهي ألفاظ تداولها الصوفية المحققون بينهم وعبّروا بها في كتبهم ، ووضعوها على معان اختصوا بفهمها ؛ ليتعرّف بعضهم من