محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

325

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

روى عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : « أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أبصر قوما فقال : ما لكم ؟ فقالوا : نتفكّر في الخالق . قال : تفكّروا في خلقه ولا تفكروا في الخالق فإنكم لا تقدرون قدره » « 1 » . قال الإمام أبو القاسم القشيري ، رضي اللّه عنه : « التفكّر نعت كل طالب ، وثمرته : الوصول بشرط العلم ؛ فإذا سلم الفكر من الشوائب ورّد صاحبه على مناهل التحقيق ، ثم فكر الزاهدين في فناء الدنيا ، وقلّة وفائها لطلّابها ؛ فيزدادون بالفكر زهدا فيها ، وفكر العابدين في جميل الثواب ؛ فيزدادون نشاطا عليه ورغبة فيه ، وفكر العارفين في الآلاء والنعماء ؛ فيزدادون محبة للخالق سبحانه وتعالى » . وقال الجنيد ، رضي اللّه تعالى عنه : « أشرف المجالس وأعلاها الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد » . وفي بعض النسخ : الفكرة : سير القلب في ميادين الاعتبار ، ومعناه ظاهر . الفكرة سراج القلب فإذا ذهبت فلا إضاءة له . القلب الخالي من الفكرة خال من النور ، مظلم بوجود الجهل والغرور ، وقد تقدّم هذا المعنى عند قوله : [ ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها في ميادين الفكرة ] . الفكرة فكرتان : فكرة تصديق وإيمان ، وفكرة شهود وعيان ؛ فالأولى لأرباب الاعتبار ، والثانية لأرباب الشهود والاستبصار . تقدّم الآن أنّ الفكرة سير القلب في ميادين الأغيار ، وسيره على وجهين : صعود ، ونزول ؛ فالصعود لأرباب الاعتبار ، وهي فكرة ناشئة عن التصديق والإيمان . وهذا للسالكين ، وهو حال ترقّيهم ، وهو نعت المستدلين بالآثار على المؤثّر ، والنزول لأرباب الشهود والاستبصار ، وفكرتهم فكرة ناشئة عن الشهود والعيان . وهذا للمجذوبين وهو حال تدلّيهم ، وهو وصف المستدلّين بالمؤثّر على الآثار ، وقد تقدّم هذا المعنى عند ذكر المجذوب والسالك . وقال رضي اللّه عنه ، مما كتب به لبعض إخوانه : هذا كتاب يتضمّن ذكر حال السالك من أول ابتداء سيره إلى انتهائه وحصوله في مستقرّه ، وذكر آداب السلوك والوصول .

--> ( 1 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 1 / 162 ) ، والسيوطي في ( الدرر المنثور 2 / 110 ) والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 4 / 410 ) .