محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

312

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

عنه : « قدم علينا بعض أصحابنا فاعتلّ ، وكان به علّة بالبطن » ، فكنت أخدمه ، وآخذ منه الطشت « 1 » طول مرضه . فغفوت مرّة ، فقال لي : نمت ، لعنك اللّه . فقيل لي : كيف وجدت نفسك عند قوله : « لعنك اللّه » فقلت : كقوله : « رحمك اللّه » . وحكى عن إبراهيم بن أدهم ، رضي اللّه تعالى عنه ، أنه قال : « ما سررت في الإسلام إلّا مرات معدودات ، كنت في مركب يوما ، وكان به رجل يحكي الحكايات المضحكة ، فيضحك منه الناس ، وكان يقول : رأيت وقتا في معركة الترك « علجا » فقلت هكذا وكان يأخذ بلحيتي ، ويمر يده على حلقي هكذا ، والناس يضحكون منه ، ولم يكن في ذلك المركب عنده أحد أصغر مني ولا أحقر ، فسررت بذلك ، وكان يوم آخر ، كنت جالسا ، فجاء إنسان وصفعني من غير سبب ، ويوم آخر كنت جالسا فجاء إنسان « وبال عليّ » وكان في وقت حاتم الأصمّ ، رضي اللّه عنه ، رجل يسيء القول فيه ، وفي أصحابه ، ويواجههم كلّ يوم بالقبيح ، فوقع عليه جذع من السقف في بعض الأيام في حال مواجهته القوم بالسبّ والشتم ، فمات ، فقال حاتم : الحمد للّه . فقيل له : هذا خلاف ما تأمرنا به ! فقال : ما حمدت اللّه شماتة بموته ، بل حمدت اللّه إذ لم أسرّ بنكبته » . هذا وأشباهه من أحوالهم معلوم ضرورة . وأبلغ من هذا كلّه محبّة الموت وكراهية البقاء في الدنيا ؛ شوقا إلى لقاء المولى قال بعضهم : حقيقة الزوال الهوى من القلب حبّ لقاء اللّه تعالى في كلّ نفس من غير اختيار حالة يكون المرء عليها ، فإذا وجد المريد هذه العلامات في نفسه فقد خرج من عالم حسّه ووصل إلى حضرة قدسه وكان كما قال الشاعر : فلك الدهر طوع والأنام عبيد * فعش كل يوم من زمانك عيد وكما قال سيدي أبو العباس العريف « 2 » ، رضي اللّه تعالى عنه في هذا المعنى : بدا لك سر طال عنك اكتتامه * ولاح صباح كنت أنت ظلامه فأنت حجاب القلب عن سرّ عيبه * ولولاك لم يطلب عليه ختامه فإن غبت عنه حلّ فيه وطنبت * على موكب الكشف المصون خيامه « 3 »

--> ( 1 ) الطشت : إناء كبير مستدير من نحاس أو نحوه لغسل الأيدي . ( 2 ) هو أحمد بن محمد بن موسى الصنهاجي الأندلسي المري ( 481 - 526 ه - 1088 - 1141 م ) أبو العباس . له شعر ومشاركة في العلوم ، وصنف كتاب « محاسن المجالس » نسبته إلى المرية ووفاته بمراكش . ( الأعلام 1 / 215 ، ووفيات الأعيان 1 / 168 - 169 ) . ( 3 ) الطنب : حبل طويل تشد به الخيمة والسرادق ونحوهما .