محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
308
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
يستعان به على اكتساب علوم رياضية مما يعتني به الفلاسفة والدهريون ، وكلما أكثر من ذلك كثر البعد من اللّه تعالى . ولا يزال المقبل على ذلك يستغويه الشيطان بما يكتسب من العلوم الرياضية ، أو بما قد يتراءى له من صدق الخاطر وغير ذلك حتى يركن إليه كل الركون ويظنّ أنه قد فاز بالمقصود من الخلوة . ولا يعلم أن هذا الفنّ من الفائدة غير ممنوع من النصارى والبراهمة وليست هي المقصودة من الخلوة ؛ لقول بعضهم « الحقّ يطلب منك الاستقامة وأنت تطالبه بالكرامة » . وقد يفتح على الصادقين بشيء من خرق العادات وصدق الفراسة وتبيّن ما سيحدث في المستقبل ، وقد لا يفتح عليهم ذلك ، ولا يقدح في حالهم عدم ذلك ، وإنما يقدح في حالهم الانحراف عن حدّ الاستقامة . وما يفتح من ذلك على الصادقين يصير سبب مزيد انتفاعهم والداعي لهم إلى صدق المجاهدة والمعاملة والزهد في الدنيا والتخلق بالأخلاق الحميدة . وما يفتح من ذلك على من ليس تحت سياسة الشرع يصير سببا لمزيد بعده ، وغروره ، وحماقته ، واستطالته على الناس ، وازدرائه بالخلق ، ولا يزال به حتى يخلع ربقة الإسلام من عنقه ، وينكر الحدود والأحكام ، والحلال والحرام ، ويظنّ أن المقصود من العبادات ذكر اللّه تعالى وترك متابعة الرسول ، ثم يتدرج من ذلك إلى الإلحاد والزندقة ، نعوذ باللّه من الضلال . وقد يلوح لأقدام خيالات يظنونها وقائع ويسمّونها بوقائع المشايخ من غير علم بحقيقة ذلك » انتهى كلامه رحمه اللّه وهو في غاية الحسن ونهاية التحقيق ، فبمداومة العبد على مثل هذه الأساليب التي ذكرناها ، مشاهدا لتوفيق ربّه عز وجل ، وتأييده له يحصل له من اللّه مزيد كثير ، وعند ذلك يتطهّر باطنه من جميع الآفات وخبائث الصفات ، وتستنير سريرته بأنوار المكاشفات والملاطفات . وقد عبّر الإمام أبو القاسم القشيري ، رضي اللّه عنه ، عن طريق موت النفس بعبارات صحيحة مليحة فقال : « قتل النفس في الحقيقة : التبرّي من حولها وقوّتها ، أو شهود شيء منها وردّ دواعيها إليها ، وتشويش تدبيرها عليها ، وتسليم الأمور إلى الحق سبحانه بجملتها ، وانسلاخها من اختيارها وإرادتها ، وانمحاء آثار بشريتها عنها . فأمّا بقاء الرسوم والهياكل فلا خطر لها ، ولا عبرة » انتهى . فهذه هي السبيل إلى موت النفس المفضي إلى حضرة القدس ؛ لكونه جاريا على مقتضى الشريعة والحقيقة اللتين بأنوارهما يهتدى كل سالك ومريد . ولا بدّ للمريد في هذه الطريقة من صحبة شيخ محقق مرشد قد فرغ من تهذيب نفسه ، وتخلّص من هواه ، فليسلّم نفسه إليه وليلتزم طاعته والانقياد إليه في كلّ ما يشير