محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
299
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
التواضع الحقيقي هو ما كان ناشئا من شهود عظمته ، وتجلي صفته . شهود عظمة اللّه تعالى ، وتجلّي صفته هو الذي يوجب للعبد وجود التواضع الذي ذكرناه ؛ لأن ذلك هو الذي يخمد النفس ويذيبها ويبطل أمنيتها ؛ فما تجلّى اللّه تعالى لشيء إلا خضع له ، فلا تنقلع من القلب شجرة حبّ الرياسة والكبر إلا به ، لا بما يتكلّفه العبد ويتعاطاه بنفسه من أعمال وأحوال . قال الجنيد ، رضي اللّه تعالى عنه : « التواضع عند أهل التوحيد تكبّر » . وقال الشيخ أبو حامد الغزالي ، رضي اللّه تعالى عنه : « ولعل مراده : أن المتواضع يثبت نفسه ثم يضعها ، والموحد لا يثبت نفسه ولا يراها شيئا حتى يضعها أو يرفعها » . وقال ذو النون المصري ، رضي اللّه تعالى عنه : « من أراد التواضع فليوجّه نفسه إلى عظمة اللّه ؛ فإنها تذوب وتصغر ، ومن نظر إلى سلطان اللّه تعالى ذهب سلطان نفسه ؛ لأن النفوس كلّها حقيرة عند هيبته ، ومن أشرف التواضع أن لا ينظر إلى نفسه دون اللّه تعالى » . وفي كتاب « عوارف المعارف » : « . . . واعلم أن العبد لا يبلغ حقيقة التواضع إلا عند لمعان نور المشاهدة في قلبه ، فعند ذلك تذوب النفس ، وفي ذوبانها صفاؤها من غش الكبر والعجب فتلين وتنطبع للحق وللخلق بمحو آثارها وسكون وهجها وغليانها . لا يخرجك عن الوصف إلا شهود الوصف . هذه عبارة مليحة موافقة لمعنى ما تقدم الآن ، فالوصف المذكور أوّلا وصف العبد ، والوصف المذكور ثانيا وصف الرب تبارك وتعالى . المؤمن يشغله الثناء على اللّه تعالى عن أن يكون لنفسه شاكرا وتشغله حقوق اللّه عن أن يكون لحظوظه ذاكرا . شكر النفس رؤية نسبة الأفعال الجميلة والأحوال الحميدة إليها ، وذلك ثناء عليها ، وهو مضادّ للثناء على اللّه تعالى وذكر حظّها من اعتقاد أنّ لها حقّا على ما يفعله من الطاعات ، وهو مضادّ للقيام بحقوق اللّه تعالى . فالمؤمن الحقيقي لا يلتفت إلى نفسه في نسبة شيء من المحاسن إليها ، وفي طلب حظّ عليه لها ، بل يشغله الثناء على اللّه تعالى والحرص على توفية حقوقه عن جميع ذلك . ليس المحب الذي يرجو من محبوبه عوضا أو يطلب منه غرضا فإن المحب من يبذل لك ليس المحب أن تبذل له .