محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
24
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
شرك ، وإن من عادى أولياء اللّه فقد بارز اللّه بالمحاربة ، وإن اللّه يحب الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا ، وإذا حضروا لم يدعوا ولم يعرفوا ، قلوبهم مصابيح الهدى ، يخرجون من كل غبراء مظلمة » « 1 » . وروى أبو هريرة ، رضي اللّه عنه ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حديثه الذي فوّه فيه باسم « أويس القرني » « 2 » وأشاد بذكره ونبّه على عظيم أمره ، رضي اللّه عنه ، أنه قال « بينما نحن عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حلقة من أصحابه إذ قال : « ليصلّين معكم غدا رجل من أهل الجنة » « 3 » قال أبو هريرة : فطمعت أن أكون ذلك الرجل ، فغدوت فصليت خلف النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فأقمت في المسجد حتى انصرف الناس ، فبقيت أنا وهو صلى اللّه عليه وسلم ، فبينما نحن كذلك إذا أقبل رجل [ أسود ] متّزر « 4 » بخرقة مرتد بمرقعة ، فجاء حتى وضع يده في يد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم قال : يا نبي اللّه ، ادع اللّه لي بالشهادة ، فدعا النبي صلى اللّه عليه وسلم له بالشهادة ، وإنا لنجد منه ريح المسك الأذفر « 5 » ، فقلت يا رسول اللّه : أهو هو ؟ قال : نعم ، إنه لمملوك بني فلان ، قلت : أفلا تشتريه فتعتقه يا نبي اللّه ؟ فقال : وأنّى لي بذلك ، إن كان اللّه تعالى يريد أن يجعله من ملوك الجنة وساداتهم يا أبا هريرة ، إنّ لأهل الجنة ملوكا وسادة ، وإن هذا الأسود أصبح من ملوك الجنة وساداتهم يا أبا هريرة ، إن اللّه عز وجل ، يحب من خلقه الأصفياء الأخفياء الأبرياء الأتقياء الشعثة رؤوسهم ، المغبرة وجوههم ،
--> - أبو عبد الرحمن ، صحابي جليل ، كان أعلم الأمة بالحلال والحرام ، وهو أحد الستة الذين جمعوا القرآن على عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم . أسلم وهو فتى ، وآخى النبي صلى اللّه عليه وسلم بينه وبين جعفر بن أبي طالب . وشهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق ، وبعثه رسول اللّه بعد غزوة تبوك قاضيا ومرشدا لأهل اليمن وبعث معه كتابا . فبقي في اليمن إلى أن توفي النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فعاد إلى المدينة . ثم كان مع أبي عبيدة بن الجراح في غزو الشام ولما أصيب أبو عبيدة في طاعون عمواس استخلف معاذا ، وأقره عمر فمات في ذلك العام . ( الأعلام 7 / 258 ، وحيلة الألياء 1 / 228 ، وتهذيب الكمال 18 / 163 ) . ( 1 ) أخرجه ابن ماجة ( فتن ، 16 ) . ( 2 ) أويس بن عامر بن جزء بن مالك القرني ( توفي 37 ه - 657 م ) من بني قرن بن ردمان بن ناجية بن مراد ، أحد النساك العباد المقدمين ، من سادات التابعين أصله من اليمن ، يسكن القفار والرمال ، وأدرك حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم ولم يره ، فوفد على عمر بن الخطاب ثم سكن الكوفة ، وشهد وقعة صفين مع عليّ ويرجح الكثيرون أنه قتل فيها . ( الأعلام 2 / 32 ، وحلية الأولياء 2 / 79 وفيه مات في غزوة أذربيجان أيام عمر ، وميزان الاعتدال 129 ) . ( 3 ) أخرجه أبو نعيم في ( حلية الأولياء ، 2 / 81 ) . ( 4 ) متّزر : لابس الإزار والإزار كساء يغطي النصف الأسفل من البدن . ( 5 ) مسك أذفر : أي جيد .