محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
285
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
في باطنه وظاهره ، فاليوم يرى على كثير من أهل العلم فساد في الباطن والظاهر » . فانظر - رحمك اللّه - إلى ما ذكره هؤلاء الفضلاء تجده لازما لطلبة هذا الزمان ، « وليس الخبر كالعيان » . ثم بعد وقوع هذه المفاسد بهم ، وتوغّلهم بها في سوء أدبهم يتعذّر عليهم بعد ذلك سلوك طريق الحق لما استحكم في قلوبهم من علامات سوء الخلق ؛ فقد قيل : التعمق في الباطل قطع لآمال الرجوع عنه ، فكلما كان بعد المسافة من الحق أتم كان اليأس من الرجعة أوجب ، وأعظم الوبال عليهم اغترارهم بحالهم ، واستحسانهم لسيء أعمالهم ، واعتقادهم أنهم سالكون سبيل النجاة في الدار الآخرة ونيل الثواب فيها ، وأنهم هم الذين حازوا الرتب الشريفة ، والمناقب المنيفة ، التي اختصّ بنيلها العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ، وليس عندهم من المعرفة وعلوم التحقيق ما يخرجون به من هذا الغرور ؛ لأنهم لم يسلكوا طريق ذلك ، ولم يهتدوا لما هنالك ، فهذا هو الفساد الذي يختص بهم ولا يشاركون غيرهم فيه . وأمّا الفساد الذي يتعدّى إلى غيرهم فأظهر من كل ظاهر ، وناهيك بمن ملكته نفسه أشدّ ملك ، واستعبدته أشدّ استعباد هل يبقى عليه شيء من الشر أو نوع من أنواع الفساد إلّا ويقع فيه إذا تمكّن منه . ومن دقيق ما يسري عنهم من الفساد من غير قصد منهم لذلك وقوع الاغترار للجهلة والأغمار بمشاهدة حالهم ، فإنهم يشاهدونهم قد حازوا من رتب الدنيا ما أرادوه ويتوهمون أنهم نالوا شرف الآخرة بما أفادوه واستفادوه ، فيحملهم ذلك على الاقتداء بهم في طلب العلم إن كانوا ممن فيه قابلية لذلك ، فيقعوا فيما وقعوا فيه من المهالك ، أو يؤدّيهم ذلك إلى محبتهم ، وموالاتهم ، واتخاذهم أربابا يسمعون منهم ويطيعونهم في أوامرهم ونواهيهم ، ثم يخرج بهم استحسان حالهم إلى الداء الدفين « 1 » ، وهو مسارقة طباعهم الدنيئة وأخلاقهم الرديئة فإن نفوس العامة قابلة لذلك ، ومهيّأة له ، بمنزلة الصبي الذي ترسخ فيه أخلاق آيائه ، ومنازعهم ، ومذاهبهم ، وعند ذلك يبطل في حقهم ما هو مقصود من بعثة الرسل من التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة ، وحبّ الفقر والمسكنة ، وإيثار التواضع والذلّة ، والتخلّق بأخلاق الإيمان والإسلام ، وشدة الحذر من ارتكاب المناهي والآثام ، ثم يؤول بهم ذلك إلى الشرك الخفيّ والجليّ ، ثم يحيق بهم المكر السيء ، والعياذ باللّه تعالى ، ويكون وبال جميع ذلك راجعا إلى العالم لتيسير أسباب ذلك على يديه ، ولقد صدق ابن المبارك رحمه اللّه حيث يقول :
--> ( 1 ) الداء الدفين : لا يعلم به .