محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
283
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
رجوت أن ينفع به اللّه بعض عباده وتؤجر على ذلك . فقال سفيان الثوري : واللّه لو أعلم بالذي يطلب هذا العلم لا يريد به إلا ما عند اللّه لكنت أنا الذي آتيه في منزله ؛ فأحدّثه بما عندي ممن أرجو أن ينفعه اللّه به » . وقد سئل بعض العلماء عن شيء فلم يجب ، فقال له السائل : أما سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من كتم علما نافعا جاء يوم القيامة ملجما بلجام من النار « 1 » ؟ ! فقال له : اترك اللجام واذهب ، فإن جاء من يستحقه وكتمته فليلجمني به » . وفي قوله عزّ من قائل : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ [ النساء : 5 ] تنبيه على أن حفظ العلم ممن يفسده ويستضرّ به أولى ، كما قيل : ومن منح الجهّال علما أضاعه * ومن منع المستوجبين فقد ظلم وقد حكى عن بعض الأمم السابقة أنهم كانوا يختبرون المتعلّم مدة في أخلاقه ؛ فإن وجدوا فيه خلقا رديئا منعوه من العلم أشدّ المنع ، وقالوا : إنه يستعين بالعلم على مقتضى الخلق الرديء فيصير العلم آلة شرّ في حقّه . وقد قالت الحكماء : « زيادة العلم في الرجل السوء كزيادة الماء في أصول الحنظل « 2 » : كلما ازداد ريّا ازداد مرارة » . وهذا كلّه صحيح مجرّب ، فينبغي إذن للعالم أن لا يهمله بل يراعيه ، ويمتثله ، ولا اعتبار بما يتوهمه في تعليمهم من وجود المصالح على تقدير حصول توفيق اللّه تعالى لهم لأن يعملوا ببعض ما يتعلمونه من العلم الصحيح إن كانت لهم ولاية حكم ، أو غير ذلك ، فإنّ المفاسد التي تقع بسبب ذلك لهم في خاصة أنفسهم ، والمفاسد التي تتعدى منهم إلى غيرهم أكثر ، ودرء المفاسد أهمّ عند العقلاء من جلب المصالح ، أمّا المفاسد التي تختصّ بهم فهي تقوية صفاتهم الذميمة وأخلاقهم اللئيمة بما يطلبونه من العلم ، لأنهم يستشعرون بذلك التوصل إلى جميع مطالبهم الدنيوية على غاية الكمال والتمام ، فإذا استشعروا بذلك توجهوا بهممهم إليه ، وعكفوا بالجدّ والاجتهاد عليه ، ولولا هذا الاستشعار لم يتصوّر منهم ذلك ، فإذا حصلوا على شيء من ذلك وظهرت لهم مخايل وصولهم إلى أغراضهم المذكورة فرحوا بذلك واغتبطوا به ، وكلما ازدادوا علما ازدادوا فرحا واغتباطا بما هم فيه ، وهذا الفرح والاغتباط في غاية الذمّ منهم ، لأن ذلك متعلّق بأسباب الدنيا ، وهي بمنزلة السمّ القاتل الذي يوجب موت قلوبهم وقسوتها وبعدها عن
--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة ( مقدمة ، 24 ) ، وأحمد بن حنبل ( 2 ، 296 ، 499 ، 508 ) . ( 2 ) الحنظل : نبات عشبي بري حولي معترش من فصيلة القرعيات ثمرته في حجم البرتقالة ولونها فيها لب شديد المرارة ، كان ولا يزال يستعمل في الطب ويزرع في الحدائق الطبية .