محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
281
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
تعالى في بعض الكتب - أو أوحى اللّه تعالى إلى بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - قل للذين يتفقهون لغير الدين ويتعلمون لغير العمل ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة ويلبسون للناس مسوك « 1 » الكباش وقلوبهم كقلوب الذئاب ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمرّ من الصبر إيّاي يخادعون وبي يستهزئون لأتيحنّ لهم فتنة تدع الحليم فيهم حيران » « 2 » . وفي بعض الأخبار المروية عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يأتي على الناس زمان لا يبقى من القرآن إلا رسمه ، ولا من الإسلام إلا اسمه ، قلوبهم خربة من الهدى ، ومساجدهم عامرة من أبدانهم ، شرّ من تظل السماء يومئذ علماؤهم ، منهم تخرج الفتنة وإليهم تعود » . واعلم أنّ العلم النافع المتفق عليه فيما سلف وخلف إنما هو العلم الذي يؤدي بصاحبه إلى الخوف والخشية ، وملازمة التواضع والذلة ، والتخلّق بأخلاق الإيمان ، وتوافق الإسرار والإعلان ، إلى ما يتبع ذلك من بغض الدنيا والزهادة فيها ، وإيثار الآخرة عليها ، والموالاة في اللّه ، والمعاداة فيه ، والحرص على التفطّن للأسباب الباعثة له على الاستقامة ، ولزوم الأدب بين يدي اللّه تعالى فيراعيها حفظا وطلبا ، ومعرفة الأسباب المضادة له عن ذلك فيرفضها رفضا وهربا ، إلى غير ذلك من الصفات العلية والمناجي السنيّة ، فبهذا كلّه يحصل له فوائد العلم وثمراته الدنيوية والأخروية . فإذا خلا طالب العلم عنها ، أو عن بعضها ، فإن كان ما يطلبه علما حقيقيا كان حجة عليه ، وإن كان رسميا كان وبالا واصلا إليه . والعياذ باللّه من ذلك . قال في « لطائف المنن » : « ربما غرّ الغافل من طلبة العلم من قال : طلبنا العلم لغير اللّه فأبى أن يكون إلا اللّه ، وليس في قول هذا القائل ما يستروح إليه من طلب العلم للرياسة والمنافسة به ، وإنما أخبر هذا القائل عن أمر منّ به عليه . وفتنة سلّمه اللّه منها ، لا يلزم أن يقاس عليه فيها غيره ، وذلك بمثابة من به مرض مزمن في المعى أعيا علاجه الأطباء وضاق عليه خلقه ، فأخذ خنجرا وضرب به مراق بطنه ليقتل نفسه ، فصادف ذلك المعى فقطعه ، فخرج الداء منه ، فهذا لا يستصوب العقلاء فعله ، وأنه نجحت عاقبته ، وليست سلامة العواقب رافعة للعتب عن الملقين أنفسهم للتهلكة :
--> ( 1 ) المسك : الجلد ( ج ) مسك ومسوك . ( 2 ) أخرجه البخاري ( علم ، 16 ، 19 ، 44 ) ، ( بدء الخلق 16 ) ، ( أنبياء ، 54 ) ، ( تفسير سورة ، 18 ، 2 ، 4 ، 33 ، 8 ) ، ( توحيد ، 31 ) ، ومسلم ( سلام ، 17 ، 149 ، 150 ) ( توبة ، 49 ) ، وأبو داود ( أدب ، 164 ) ، والترمذي ( تفسير سورة ، 11 ، 7 ، 18 ، 1 ، 85 ، 2 ) ، والنسائي ( صيد ، 38 ) ، نساء ، 3 ) ، وابن ماجة ( صيد ، 10 ) ( أنبياء ، 77 ) ، ( فتن ، 33 ) ، وأحمد بن حنبل ( 2 ، 170 ، 313 ، 347 ، 403 ، 3 ، 178 ، 5 ، 116 ، 118 ، 120 ، 122 ، 128 ) .