محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

279

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

المريض لم يسرّه أن يكون صحيحا ، وإذا نظر إليهم الفقير لم يودّ أن يكون غنيا ، وقد صاروا اليوم فتنة على الناس » . قال هذا في زمانه الصالح ، فكيف لو أدرك زماننا هذا ؟ ! فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون . واعلم أنه قد ورد في الكتاب والسنّة من فضل العلم والعلماء ما لا يحصى كثرة ، ولا يرجى حصول ذلك إلا لمن صحّت فيه نيّته وصحّة نيّته في ذلك أن يكون غرضه فيه طلب مرضاة اللّه تعالى واستعماله فيما ينفع عنده ، وإيثاره الخروج عن ظلمة الجهل إلى نور العلم ، فهذه هي النية الصحيحة التي تحمد عاقبتها آجلا ، وتجتنى ثمرتها في طاعة اللّه عاجلا . وقد روى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « كلّ يوم لا ازداد فيه علما يقرّبني من اللّه عزّ وجلّ فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم » « 1 » . وقال الحسن ، رضي اللّه تعالى عنه : « كان الرجل إذا طلب العلم لم يلبث أن يرى ذلك في تخشعه ولباسه وبصره ولسانه وصلاته وهديه وزهده ، وإن كان الرجل ليصيب الباب من أبواب العلم فيعمل به فيكون خيرا له من الدنيا بما فيها لو كانت له ليضعفها في الآخرة وليأتينّ على الناس زمان يشتبه فيه الحق والباطل ، فإذا كان ذلك لم ينفع فيه إلا دعاء كدعاء الغريق » . وقال سفيان الثوري ، رضي اللّه عنه : « إنما يتعلم العلم ليتقي به اللّه ، وإنما فضل العلم على غيره ؛ لأنه يتقي اللّه به » . فإن اختل هذا المقصد ، وفسدت نية طالبه : بأن يستشعر به التوصل إلى منال دنيوي ، من مال أو جاه ، فقد بطل أجره ، وحبط عمله ، وخسر خسرانا مبينا . قال اللّه عزّ وجلّ ، مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [ الشورى : 20 ] . وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما روى عنه أبو هريرة رضي اللّه عنه : « من تعلّم علما مما يبتغي به وجه اللّه تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ، يعني : ريحها . وكان الحسن ، رضي اللّه عنه ، يقول : « واللّه ما طلب هذا العلم أحد إلا كان حظّه منه ما أراد به » .

--> ( 1 ) أخرجه العجلوني في ( كشف الخفاء 2 / 183 ) ، والفتني في ( تذكرة الموضوعات 22 ) .