محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
275
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وقال مالك بن أنس « 1 » رضي اللّه عنه : « ليس العلم بكثرة الرواية ، وإنما هو نور يقذفه اللّه تعالى في القلوب » . وإنما منفعة العلم أن يقرّب العبد من ربه ، ويبعده عن رؤية نفسه ، وذلك غاية سعادته ومنتهى طلبه وإرادته . قال الجنيد ، رضي اللّه تعالى عنه : « العلم : أن تعرف ربّك ، ولا تعدو قدرك » . وهذه عبارة مختصرة وجيزة ، جمع فيها - رحمه اللّه - مقصود علوم الصوفية ، وهي : معرفة اللّه تعالى ، وحسن الأدب بين يديه وهذه هي العلوم التي ينبغي للإنسان أن يستغرق فيها عمره الطويل ، ولا يقنع منها بكثير ولا قليل . وقد قال سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه : من لم يتغلغل في هذه العلوم - يعني علوم الصوفية - مات مصرّا على الكبائر وهو لا يعلم وما سوى هذه العلوم قد لا يحتاج إليها ، وربما أضرّ بصاحبها مداومته عليها ، وقد استعاذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الخبر المشهور عنه « من علم لا ينفع » . ثم ذكر المؤلف ، رحمه اللّه تعالى ، عبارة أخرى في بيان العلم النافع وتعريفه بلازمه ، فقال : خير العلم ما كانت الخشية معه . خير العلوم ما يلزم وجود الخشية للّه تعالى ؛ لأن اللّه تعالى أثنى على العلماء بذلك ، فقال ، عزّ من قائل : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] فكل علم لا خشية معه فلا خير فيه ، بل لا يسمى صاحبه عالما على الحقيقة . قال الربيع بن أنس « 2 » ، رحمه اللّه ، في قوله تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ من لم يخش اللّه فليس بعالم ؛ ألا ترى أن داود - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - قال : ذلك بأنك جعلت العلم خشيتك والحكمة الإيمان بك فما علم من لم
--> ( 1 ) مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري ( 93 - 179 ه - 712 - 795 م ) أبو عبد اللّه إمام دار الهجرة ، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة ، وإليه تنسب المالكية ، مولده ووفاته بالمدينة ، كان صلبا في دينه ، بعيدا عن الأمراء والملوك . صنف « الموطأ » وله رسالة « الوعظ » وغيرهما . ( الأعلام 5 / 257 ، وحلية الأولياء 6 / 316 ، ووفيات الأعيان 4 / 135 - 139 ، وتهذيب الكمال 17 / 381 ) . ( 2 ) الربيع بن أنس البكري ، البصري ثم الخراساني ، ثقة ، صدوق ، روى عن أبيه وعن جده ، وروى عنه فليح بن سليمان ومصعب بن الأسقع وغيرهما . مات في خلافة أبي جعفر المنصور وقيل : مات في سجن مرو . وذكر الذهبي أنه توفي سنة ( 139 ) أو ( 140 ) ( تهذيب الكمال 6 / 125 ) .