محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
268
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وذكر أبو إبراهيم إسحق بن إبراهيم النجيبي القرطبي المالكي ، رحمه اللّه ، في كتاب « النصائح » له عن ابن عبد ربّه الشامي ثم الدمشقي ، أنه كان أكثر أهل دمشق مالا ، فخرج مسافرا ، فأمسى إلى جانب نهر ومرعى ، فنزل به ، قال : فسمعت صوتا يكثر حمد اللّه تعالى في ناحية « المرج » فاتبعته ، فوافيت رجلا ملفوفا في حصير ، فسلّمت عليه ، فقلت : من أنت يا عبد اللّه ؟ فقال : رجل من المسلمين . فقلت : فما حالك هذه ؟ قال : حال نعمة يجب عليّ حمد اللّه عليها . فقلت : وكيف ، وإنما أنت في حصير ؟ قال : ومالي لا أحمد اللّه تعالى وقد خلقني فأحسن خلقي ، وجعل منشيء ومولدي في الإسلام ، وألبسني العافية في أركاني وستر عليّ ما أكره ذكره ونشره ، فمن أعظم نعمة ممن أمسى في مثل ما أنا فيه ؟ فقلت له : إن رأيت - رحمك اللّه - أن تقوم معي إلى المنزل فإنما « نزول » على النهر هناك . قال : ولم ؟ قلت : لتصيب من الطعام ونعطيك ما يغنيك عن لبس الحصير ! ! قال : ما لي حاجة . فراودته « 1 » على أن يتبعني ، فأبى ، فانصرفت وقد تقاصرت في نفسي ، ومقتّها إذ لم أخلف بدمشق رجلا يكاثرني في غنى وأنا ألتمس الزيادة ! ! فقلت : اللهم إني أتوب إليك من سوء ما أنا فيه . فبتّ لا يعلم إخواني ما أجمعت عليه ، فلما كان من السحر رحلوا كنحو ارحلتهم فيما مضى ، وقدّموا إليّ دابتي فصرفتها إلى دمشق ، وقلت : ما أنا بصادق في التوبة إن مضيت إلى متجري . فسألني القوم ، فأخبرتهم ، وعاتبوني على المضيّ ، فأبيت . فلما قدم دمشق وضع يده يتصدّق بماله فما زال يفرّقه في سبيل الخيرات حتى احتضر ، فما وجدوا عنده إلا قدر ثمن الكفن . زاد غير أبي إبراهيم : وكان يقول - يعني ابن عبد ربّه المذكور - واللّه ، لو أنّ نهركم - يعني نهر « دمشق » - سال ذهبا ما خرجت إليه ، ولا أخذت شيئا منه ، ولو قيل لي : من مسّ هذا العمود مات لقمت إليه وعانقته شوقا إلى اللّه ورسوله . ليقلّ ما تفرح به يقلّ ما تحزن عليه . درء المفاسد عن العقلاء أهمّ من جلب المصالح ؛ فمن زوى اللّه عنه فضول الدنيا فرضى بذلك وقنع منها باليسير ولم يتطلّع إلى زيادة من مال أو جاه فهو كامل العقل حسن النظر لنفسه ، لأنه دفع عن نفسه وجود الحزن بتركه لما يفيد حصول مصلحة الفرح الذي يزول عن قرب ، واعتاض من ذلك الرائحة الدائمة ، كما قيل : ومن سرّه أن لا يرى ما يسوؤه * فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا فإن صلاح المرء يرجع كله * فسادا إذا الإنسان جاز به الحدّا
--> ( 1 ) راوده : خادعه وراوغه .