محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
266
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
فالاستغناء هو وجود الزيادة على الكفاية ، وهو سبب الطغيان أصل كل معصية للّه عزّ وجلّ . وقصة ثعلبة بن حاطب ، حين طلب الدعاء من النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يرزقه مالا ، وما آل إليه أمره أمر « مشهور » . وقال سعد بن أبي وقاص « 1 » ، رضي اللّه عنه : « سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : خير الرزق ما يكفي وخير الذكر الخفي » « 2 » . وفي حديث أبي الدرداء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ما طلعت شمس ولا غربت إلا بجنبها ملكان يناديان يسمعان الخلائق غير الثقلين : يا أيها الناس هلموا إلى ربكم ؛ فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى » « 3 » . وأمّا مصالح الدنيا عند وجود الكفاية وعدم النقصان منها فمن أجل توصّله بذلك إلى الاستعانة بها على طاعة اللّه تعالى ولأجل ذلك عظمت النعمة بها على العبد قال اللّه تعالى : وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا [ القصص : 77 ] أي : لا تنس نصيبك في الآخرة أن تتوصّل إليه بما آتاك اللّه من الدنيا . وأما مصالح الدنيا في ذلك فظاهر لا يحتاج إلى التنبيه عليه ؛ إذ بذلك يحصل طيب العيش وراحة القلب والبدن وصيانة الوجه عن ذلّ المسألة عند وجود الحاجة والفاقة . فعلى العبد أن يشكر اللّه تعالى على هذه النعمة العظيمة ، ويقنع بما أباح له من هذه المنّة الجسيمة . فيستعجل بذلك راحة نفسه ، والاستغناء عن بني جنسه ، ويحصل له بذلك حلاوة الزهد في الأمور العاجلة ، وتجافي القلب عن زهراتها فإن طلب الزيادة من الدنيا ولم يقنع بما قسم له منها خيف عليه من اقتحام المهالك ؛ إذ يجره الحرص والطمع إلى ذلك . قال بعض العارفين : « كلّ من لا يعرف قدر ما روي عنه من الدنيا ابتلى بأحد
--> ( 1 ) سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف القرشي الزهري ( 23 ق ه - 55 - 600 - 675 م ) أبو إسحاق الصحابي الأمير ، فاتح العراق ، ومدائن كسرى ، وأحد الستة الذين عينهم عمر للخلافة وأول من رمى بسهم في سبيل اللّه ، وأحد العشرة المبشرين بالجنة ، ويقال له : فارس الإسلام ، أسلم وهو ابن 17 سنة ، وشهد بدرا وافتح القادسية ، ونزل أرض الكوفة فجعلها خططا لقبائل العرب وظل واليا عليها مدة عمر بن الخطاب فعاد إلى المدينة وفقد بصره ، ومات في قصره بالعقيق . له ( 271 ) حديثا . ( الأعلام 3 / 87 ، وحلية الأولياء 1 / 92 ، وتهذيب الكمال 7 / 112 ) . ( 2 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 1 ، 172 ، 180 ، 187 ) . ( 3 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 5 ، 197 ) .