محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

260

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

رحمه اللّه تعالى بعد هذا [ إلهي ما أقربك مني وما أبعدني عنك ] . الحقائق « 1 » ترد في حال التجلي مجملة وبعد الوعي يكون البيان ، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ، ثم إنّ علينا بيانه . حقائق العلوم اللدنيّة يقذفها الحقّ تعالى في أسرار العارفين عند براءتهم من الدعوى ، وتحررهم من رقّ الأشياء ، وتعرّضهم باللجاء والافتقار لما يفتح عليهم المولى ، يكرمهم الحق تعالى بها تحقيقا لوعده لهم من غير تعلّم ولا دراسة . وعند ورودها عليهم ، وتجلّيها لهم ، تكون مجملة : لا تتبين لهم معانيها ، ولا يدركون جهات حقيقتها . فإذا وعوها ، وتصرّفت فيها أذهانهم بالاعتبار والتأمل تبيّن لهم معناها وظهر لهم موافقتها لما بأيديهم من العلوم العقلية والنقلية من غير مخالفة ، حتى أن بعضهم ربّما يجري على لسانه وبنانه كلام كثير من غير أن يلقي له بالا ، فإذا فرغ من ذكره أو رسمه يتصفحه ويتأمله فيجده صحيحا مستقيما . وقد أخبرني بنحو ذلك من له قدم صدق في هذا الطريق عن نفسه ، قال الإمام أبو القاسم القشيري رضي اللّه عنه : « وأصحاب الحقائق يجري بحكم التصرف عليهم شيء لا علم لهم به على التفصيل ، وبعد ذلك يكشف لهم وجهه ، فربما يجري على لسانهم شيء لا يدرون وجهه ، ثم بعد فراغهم من النطق به يظهر لقلوبهم برهان ما قالوه من شواهد العلم ؛ إذ تحقيق ذلك بجريان الحال في ثاني الوقت » . انتهى كلام الإمام أبي القاسم ، وهو موافق لما ذكره المؤلف رحمه اللّه تعالى ، واللّه أعلم . وكأنهما أشارا بذلك إلى المسألة المتعارفة بينهم من موافقة الحقيقة للشريعة ، وقد عبّروا عن ذلك بعبارات ؛ فقد سئل عبد اللّه بن طاهر الأبهري « 2 » رضي اللّه عنه ، عن الحقيقة ، فقال : الحقيقة كلها علم . فسئل عن العلم فقال : العلم كله حقيقة . وقال الشبلي ، رضي اللّه عنه : « الألسنة ثلاثة : لسان علم ، ولسان حقيقة ، ولسان حق . فلسان العلم : ما تأدّى إلينا بالوسائط . ولسان الحقيقة : ما أوصله اللّه إلى الأسرار بلا واسطة . ولسان الحق ، ليس إليه طريق » .

--> ( 1 ) الحقيقة : الشيء الثابت يقينا . وحقيقة الشيء خالصه وكنهه . ( 2 ) عبد اللّه بن طاهر الأبهري أبو بكر ( توفي حوالي 330 ه / 942 م ) من أقران دلف الشبلي ، ومن مشايخ الجبل ، عالم ورع ، صحب يوسف بن الحسين وغيره . ( الرسالة القشيرية ص 390 ) .