محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

258

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

قلنسوة « 1 » ظريفة تليق بذلك الصوف ، فتمنيت في نفسي أن يكونا جميعا لي ، فلما قام الشبلي من مجلسه التفت إليّ ، فتبعته ، وكان من عاداته إذا أراد أن أتبعه أن يلتفت إليّ . فلما دخل داره دخلت ، فقال : انزع الصوف ، فنزعته ، فلفّه ، وطرح عليه القلنسوة ، ودعا بنار فأحرقهما » . ومثل هذا ، مما كان ينكره عليه من لم يعرف مقصوده في ذلك ، شيء كثير ورد عنه . لا تنفعه طاعتك ولا تضرّه معصيتك ، وإنما أمرك بهذه ونهاك عن هذه لما يعود عليك . الحق تعالى غنيّ عن أعمال العاملين ؛ لأنّه منزّه عن الأعواض والأغراض ، فلا تنفعه طاعتك ولا تضرّه معصيتك . وإنما أمرك ونهاك لما يعود عليك من المصالح والمنافع في الدارين لا غير . وذلك على سبيل التفضّل منه من غير إيجاب عليه ، وقد تقدّم التنبيه على هذا المعنى عند قوله : [ عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل ] . قال في « لطائف المنن » : « اعلم رحمك اللّه أنّ اللّه لم يأمر العباد بشيء وجوبا ، أو يقتضيه منهم ندبا إلّا والمصلحة لهم في فعل ذلك الأمر ، ولم يقتض منهم ترك شيء تحريما أو كراهة إلّا والمصلحة لهم في ترك ما أمرهم بتركه وجوبا أو ندبا ، ولسنا نقول كما قال من عدل به عن طريق الهدى « إنه يجب على اللّه رعاية مصالح عباده » ، بل إنما نقول : ذلك عادة الحق وشرعته المستمرّ فعلها على عباده على سبيل التفضّل ، فليت شعري إذا قالوا يجب على اللّه رعاية مصالح عباده ، فمن هو الموجب عليه ؟ ثم إذا نظرنا فرأينا كلّ ما هو واجب أو مندوب إليه يستلزم الجمع على اللّه ، وكلّ منهى عنه أو مكروه يتضمن التفرقة عنه ، فإذا مطلوب اللّه من عباده وجود الجمع عليه ، لكن الطاعات هي أسباب الجمع ووسائله ؛ فلذلك أمر بها ، والمعصية هي أسباب التفرقة ووسائلها فلذلك نهى عنها » . ا ه . لا يزيد في عزّه إقبال من أقبل عليه ولا ينقص من عزه إدبار من أدبر عنه . عزّة اللّه تعالى صفة من صفات ذاته ، وصفاته في غاية الكمال والتمام ، فهي منزّهة عن الزيادة والنقصان وسببية العلل .

--> - سرخس أربعون فرسخا ، ومن سرخس إلى مرو الشاهجان ثلاثون فرسخا . ( معجم البلدان 5 / 331 ) . ( 1 ) القلنسوة : لباس للرأس مختلف الأنواع والأشكال ( ج ) قلانس .