محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
256
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
الرباط « 1 » ، إلى « عبادان » لأصوم بها رجب وشعبان . فاتفق لي في طريقي « عليّ الجرجاني » وكان من الزهّاد الكبار . فدنا وقت إفطاري ، وكان معي ملح مدقوق وأقراص . فقال : ملحك مدقوق ومعك ألوان من الطعام لن تفلح ولن تدخل في سنن المحبين ! ! فنظرت إلى مزود « 2 » كان معه فيه سويق « 3 » الشعير ، فسفّ منه ، فقلت : ما دعاك إلى هذا ؟ قال : إني حسبت ما بين المضغ والسفّ سبعين تسبيحة فما مضغت الخبز منذ أربعين سنة . وفي الخبر : « ما من ساعة تأتي على العبد لا يذكر اللّه تعالى فيها إلّا كانت عليه حسرة » « 4 » . ويقال : إنّ العبد تعرض عليه ساعاته في اليوم والليلة فيراها خزائن مصفوفة أربعا وعشرين خزانة ، فيرى في كل خزانة نعيما ولذة وعطاء وجزاء ؛ لما كان أودع خزائنه مم ساعاته في الدنيا من الحسنات فيسّره ذلك ويغتبط به ، فإذا مرّت به في الدنيا ساعاته التي لم يذكر اللّه فيها رآها في الآخرة خزائن فارغة لا عطاء فيها جزاء عليها ، فيسؤوه ذلك ويتحسّر عليه كيف فاته ، حيث لم يدّخر فيها شيئا فيرى جزاءه مدخورا ، ثم يلقى في نفسه الرضا والسكون » . وجاء في الخبر « 5 » : « إنّ أهل الجنّة بينما هم في نعيمهم إذ سطع لهم نور من فوق أضاءت منه منازلهم كما يضئ الشمس والقمر لأهل الدنيا فينظرون إلى رجال من فوقهم أهل علّيين يرونهم كما يرون الكوكب الدرىّ « 6 » في أفق السماء وقد فضلوا عليهم في الأنوار والجمال والنعيم المقيم كما فضّل القمر على سائر النجوم فينظرون إليهم يطيرون على نجب تسرح بهم في الهواء يزورون ذا الجلال والإكرام ، فينادونهم هؤلاء : يا إخواننا ما أنصفتمونا ! ! كنّا نصلّي كما تصلّون ، ونصوم كما تصومون ، فما هذا الذي فضلتم به علينا ؟ فإذا النداء من قبل اللّه تعالى : إنهم كانوا يجوعون حين تشبعون ، ويعطشون حين تروون ، ويعرون حين تكتسون ، ويذكرون حين تسكتون ، ويبكون حين تضحكون ، ويقومون حين تنامون ، ويخافون حين تأمنون ؛ فلذلك فضّلوا عليكم اليوم . فذلك قوله تعالى : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [ السجدة : 17 ] .
--> ( 1 ) الرباط : عاصمة المغرب . ( 2 ) المزود : وعاء الزاد ( ج ) مزاود . ( 3 ) السويق : طعام يتخذ من دقيق الحنطة أو الشعير ( ج ) أسوقة . ( 4 ) أخرجه الهيثمي في ( مجمع الزوائد 10 / 8 ) ، والسيوطي في ( الدر المنثور 1 / 150 ) ، والمنذري في ( الترغيب والترهيب 2 / 401 ) ، والمتقي الهندي في ( كنز العمال 1819 ) ، وأبو نعيم في ( حلية الأولياء 5 / 362 ) . ( 5 ) أخرجه ابن الجوزي في ( الموضوعات 3 / 261 ) ، والعقيلي في ( الضعفاء 2 / 274 ) . ( 6 ) الكوكب الدريّ : المضيء المتلألىء ( ج ) دراري .