محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

253

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

والأنوار الداخلة إلى صميم القلب وسويدائه لا يظهر فيها إلّا وجود اللّه عز وجل ؛ فلذلك لا يحبّ سواه ولا يعبد إلّا إيّاه . قال بعض العارفين : « إذا كان الإيمان في ظاهر القلب كان العبد محبّا للآخرة والدنيا ، وكان مرّة مع اللّه تعالى ومرّة مع نفسه ؛ فإذا دخل الإيمان باطن القلب أبغض العبد دنياه وهجر هواه » . وفي لفظ آخر : « إذا كان الإيمان في ظاهر القلب يعني : أعلى الفؤاد ، كان المؤمن يحب اللّه حبا متوسطا ، فإذا دخل الإيمان في باطن القلب ، وكان في سويدائه ، أحبه الحب البالغ » . قال الشيخ أبو طالب المكي : « ومحبة العبد ذلك : أن ينظر ، فإن كان يؤثر اللّه تعالى على جميع هواه ويغلّب محبته على هواه حتى تصير محبّة اللّه هي محبّة العبد من كل شيء فهو محبّ للّه تعالى حقا ، كما أنه مؤمن به حقا ، وإن رأيت قبلك دون ذلك فلك من المحبة بقدر ذلك » . وقال بعض العلماء : « ظاهر القلب محلّ الإسلام وباطنه مكان الإيمان ، فمن هاهنا يتفاوت المحبّون في المحبة ؛ لفضل الإيمان على الإسلام وفضل الباطن على الظاهر . [ فرغ قلبك من الأغيار يملؤها بالمعارف والأسرار » ] ربّما وردت عليك الأنوار فوجدت القلب محشوا بصور الآثار فارتحلت من حيث نزلت ، فرّغ قلبك من الأغيار يملؤه بالمعارف والأسرار . الأنوار الإلهية قد ترد على القلب فلا تجد فيه موضعا لاستقرارها ؛ لما غلب عليه من رعونات البشرية واستحكم فيه من صور الآثار الكونية ، فترتحل من حيث تنزل لأنها مقدّسة مطهّرة ؛ فإذا أردت حلول الأنوار فيه وتجلّى المعارف والأسرار له ففرّغه من الأغيار ، وامح عنه صور الآثار ، قال اللّه تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [ العنكبوت : 69 ] . وقد تقدم من كلام المؤلف ، رحمه اللّه تعالى : ( كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته ) . فلا تستبطىء منه النوال ، ولكن استبطىء من نفسك وجود الإقبال . تقدّم التنبيه على هذا المعنى عند قوله : [ لا تطالب ربّك بتأخير مطلب ، ولكن طالب نفسك بتأخير أدبك ] ، والعبارتان متفقتان معنى وإن اختلفتا لفظا . حقوق في الأوقات يمكن قضاؤها ، وحقوق الأوقات لا يمكن قضاؤها ؛ إذ ما من