محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

18

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

على عباده الثقلين واللّه اعلم ، فإذا أنزل اللّه تعالى على العبد سينا من البلايا فليستسعر ما ذكرناه ، وليجعله نصب عينيه ، وليجدّد تذكاره على نفسه حتى يحصل له من السكون والطمأنينة ما يحمل عنه أثقال ذلك ، ويزيل عنه مرارته ، ويوجد حلاوته وعند ذلك يكون حاله في بلائه حال الشاكرين ، من الفرح والاغتباط به ، فيرى من حقّ شكره أن يأني بما يمكّنه من أعمال برّه ، واعتبر جميع ما قلناه في هذه المسألة بالحكاية التي ذكرها « أبو العباس ابن العريف » « 1 » ، رحمه اللّه ، في كتابه « مفتاح السعادة ومنهاج سلوك طريق الإرادة » قال فيه : « كان بالمغرب - عمره اللّه بالإسلام - رجل يدعى « أبا الخيّار » رحمه اللّه ونفعنا بذكره ، أصله من « صقلية » « 2 » ، وموطنه بغداد ، وجاوز سنّه التسعين وهو في الرّق « 3 » لم يعتقه مولاه ، وذلك منه عن قصد واختيار ، وعمّ جسده الجذام ، ورائحة المسك توجد منه على مسافة بعيدة . قال الذي حدّثني : رأيته يصلّي على الماء ، ثم لقيت بعده « محمدا الإسفنجي » فإذا هو الأبرص ، فقلت : يا سيدي ، كأن اللّه تعالى لم يجد للبلاء محلا من أعدائه حتى أنزله بكم وأنتم خاصة أوليائه ! ! قال : فقال لي : اسكت ! ! لا تقل ذلك ؛ إنّه لمّا أشرفنا على خزائن العطاء لم نجد عند اللّه شيئا أشرف ولا أقرب إليه من البلاء ، فسألناه إيّاه ، فكيف بك لو رأيت سيّد الزهّاد ، وقطب العباد ، وإمام الأولياء الأوتاد ، في غار في أرض « طرسوس » « 4 » وجبالها لحمه يتناثر وجلده يسيل قيحا وصديدا « 5 » ، وقد أحاط به الذباب والنمل ، فإذا كان الليل لم يقنع بذكر اللّه وشكره على ما أعطاء من الرحمة وما أسكن جسده من العافية حتى يشدّ نفسه بالحديد ، ويستقبل القبلة عامّة ليله حتى يطلع الفجر » انتهى .

--> ( 1 ) أحمد بن محمد بن موسى الصنهاجي الأندلسي المري ( 481 - 526 ه - 1088 - 1141 م ) أبو العباس ، فاضل شهير بالصلاح . له شعر ومشاركة في العلوم ، وصنف كتاب « محاسن المجالس » على طريق القوم ، نسبته إلى المرية ووفاته بمراكش ( الأعلام 1 / 215 ، ووفيات الأعيان 1 / 168 - 169 ) . ( 2 ) صقلية : من جزائر بحر المغرب مقابلة أفريقية ، وهي مثلثة الشكل بين كل زاوية والأخرى مسيرة سبعة أيام . ( معجم البلدان 3 / 416 ) . ( 3 ) الرّق : العبودية . ( 4 ) طرسوس : مدينة في تركيا ( قيليقيا ) كانت من العواصم . فتحها المأمون 788 م وفيها دفن . ( معجم البلدان 4 / 28 ) . ( 5 ) الصديد : الدم المختلط بالقيح في الجرح .