محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

231

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

دواءه من دائه ، ولا تعلّم العلم ، ولا سأل العلماء لبقائه مع نفسه قال : فحكمه إذا جاءه هذا الخاطر بالترويح من العدو في سفره من السرعة إلى الماء والركون إلى الأغيار من منازل أو أشخاص أو غير ذلك أن يعرض على العدوّ ويقول إن اللّه تعالى : يمكن أن يتوفّاني قبل لحوقه ، فبالضرورة يطيعه في ذلك ويسلمه ويقول له أيضا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من مشى إلى طمع فليمشي رويدا » وقال : « من تأنّى أصاب أو كاد ، ومن تعجّل أخطأ أو كاد ، والعجلة من الشيطان » « 1 » . ومن هذا كثير فلا يشك شاك أنه كما يحتج للنفس والشيطان بهذه القواعد من العلم أنهم ينقطعون ولا حجة عندهم بعد الاستعانة باللّه تعالى والتعلق به ، ثم يقول له أيضا : أتنكر أن اللّه تعالى قادر على أن يطعمني ويسقيني إن شاء اللّه تعالى ينبع لي عينا الساعة قبل وصولي لذلك الماء ؟ فيقول له الشيطان بالضرورة : نعم . فإذا كان هذا كذلك فاللّه سبحانه أعلم بمصالحي ومنافعي من كل مخلوق . فإذا حصل هذا العلم رجع يمشي متأنيا همّته مع خطرته ناظرا لما يرد عليه من ربّه ، فإذا وصل إلى ما خطر أوّلا أو رآه من بعد ولم يجد ما تعلّق به خاطره أولا من صاحب أو طعام بقي على أصله لا تغيّر عنده ولا تردّد ، فظفر بالعدو وقتله ، كما فعل أيضا الشيطان بغيره الشيء أو ضدّه » . هذا ما أردنا ذكره من كلام هذا الإمام ، وهو عندي من أنفس الكلام المقرّب غاية المرام ؛ لما تضمنه من المعاني البديعة والأنفاس الرفيعة ، ولما فيه من تجريد التوحيد ، والآداب المرضيّة من العبيد ، فهو جدير بأن يكتب ويرسم ، ويكمل به الغرض الذي تقدّم ، واللّه تعالى أعلم . وحكم الشرط الثاني : أن لا يأخذ إلّا ما يوافق العلم ، وهذا شرط لازم للمتجرّد أيضا . قال الشيخ أبو طالب المكي رضي اللّه تعالى عنه : « وينبغي لمن لا معلوم عنده من الأسباب أن يتورّع في أخذها ، ويتخير المعطي لها كما يتخير أهل المكاسب في الاكتساب ؛ لأن للّه تعالى في كل شيء حكما ، والقعود عن المكاسب لا يسقط أحكامها ، والقاعد عن الطالب لا يسقط أحكام المطالب ، ولأن ترك العمل عمل يحتاج إلى علم ، ولم تكن سيرة القرّاء الصادقين أن يأخذوا من كل أحد ، ولا في كل وقت ، ولا يأخذوا كل ما يعطون مما يزيد على كفايتهم ، إلا أن يكونوا ممن يخرجونه إلى غيرهم » . ا ه .

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي ( برّ ، 66 ) .