محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
228
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
دعا بعض الناس شقيقا البلخي ، رضي اللّه تعالى عنه ، وكان في طبقته من أصحابه نحو خمسين رجلا ، فوضع الرجل طعاما واسعا وأنفق نفقة كثيرة ، فلما قعدوا قال لهم شقيق : إن هذا الرجل يقول من لم يرني صنعت هذا الطعام وأني أقدّمه إليه فطعامي عليه حرام . فقاموا كلّهم وخرجوا إلّا شابا كان فيهم نقصت مشاهدته عنهم ، فقال صاحب المنزل لشقيق : رحمك اللّه ما أردت بهذا ! ! . قال : أردت أن أختبر توحيد أصحابي : أي كلهم لا يرونه فيما صنع ، ولا ينظرون إليه فيما قدّم ، إلّا ذلك الرجل وحده . وإنما اشترطنا في رؤية العطاء من اللّه تعالى أن يكون حالا وذوقا ؛ لأن ذلك هو اللائق بحال المتجرّد ، كما ذكرناه ؛ لأن التجريد حال شريف لا يدخل فيه بالاختيار والتعمد ؛ لأن ذلك من اتباع هوى النفس وطلب الحظ والراحة . وإنما يقيم الحقّ تعالى فيه من أراده به من أهل التقوى والمراقبة بعد كمال شغله باللّه تعالى ، وجدّه في الهرب عن كل ما يقطعه عن اللّه تعالى ، فحينئذ يسلبه الحق من تدبيره واختياره ، ويكاشفه بوحدانيته في إيراده وإصداره ، ويكون تركه للأسباب بحكم الوقت وإشارة الحال . كما روى أن أبا حفص النيسابوري رضي اللّه عنه كان حدادا ، وكان غلامه يوما ينفخ عليه الكير ، فأدخل الشيخ يوما يده في النار وأخرج الحديدة من النار ، فغشي على غلامه ، وترك أبو حفص الحانوت وأقبل على أمره وكان يقول رضي اللّه عنه : « تركت العمل فرجعت إليه ، وتركني العمل فلم أرجع إليه » . وقال إبراهيم الخواص ، رضي اللّه تعالى عنه : « لا ينبغي للصوفيّ أن يتعرض للقعود عن الكسب ، إلّا أن يكون رجلا مغلوبا قد أغنته الحال عن المكاسب ، وأما من كانت الحاجة به قائمة ، ولم يقع له عزوف يحول بينه وبين التكلّف فالعمل أولى به والكسب بسعي أحلّ له وأبلغ ؛ لأن القعود لا يصلح لمن لم يستغن عن التكلّف » . وقد قال الشيخ أبو عبد اللّه القرشي ، رضي اللّه تعالى عنه : « ما دامت الأسباب قائمة بالنفس فالاكتساب أولى » . وقال بعض المنقطعين : كنت ذا صنعة جليلة ، فأريد مني تركها ، فحاك في صدري : من أين المعاش ؟ فهتف بي هاتف : « لا أراه ، تنقطع إليّ وتتهمني في رزقي ، عليّ أن أخدمك وليا من أوليائي أو منافقا من أعدائي » .