محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

219

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

الأنوار ، كانت ترجمانية لسانه على حسب ذلك ؛ فيتكلم بالكلام النوراني الذي يلج آذان السامعين ؛ فتفتح بسببه إذ ذاك أقفال قلوبهم ، ويستجيبون به لنداء الحق حبيبهم . وروى الحافظ أبو نعيم ، رحمه اللّه تعالى ، عن سعيد بن عاصم قال : كان قاض يجلس قريبا من مجلس محمد بن واسع فقال له يوما وهو يوبخ جلساءه : مالي أرى القلوب لا تخشع ، ومالي أرى العيون لا تدمع ؛ ومالي أرى الجلود لا تقشعر ! ! فقال محمد بن واسع : يا عبد اللّه ، ما أرى القوم أوتوا إلا من قبلك ، إن الذكر إذا خرج من القلب وقع على القلب . قلت : وقد حاز المؤلف قصب السبق في هذا المعنى الذي ذكره ، ومن مارس كلامه في هذا الكتاب ، وفي غيره ، وحصل له منه التأثير المحمود سلم بما قلناه ، وكفى بشهادة شيخه أبي العباس المرسي ، على عظيم قدره ودعائه له ؛ برهانا على ذلك . قال في « لطائف المنن » : وكنت قد قلت لبعض تلامذة الشيخ ( يعني أبا العباس ) : أريد لو نظر إليّ الشيخ برعايته وجعلني في خاطره . فقال ذلك للشيخ . فلما دخلت على الشيخ قال : لا تطالبوا الشيخ بأن تكونوا في خاطره ؛ بل طالبوا أنفسكم أن يكون الشيخ في خاطركم . فعلى مقدار ما يكون عندكم تكونون عنده . ثم قال : أيّ شيء تريد أن تكون ؟ واللّه ليكونن لك شأن عظيم . واللّه ليكونن لك كذا . وكذا . واللّه ليكونن لك كذا . . وكذا . لم أثبت منه إلا قوله : « ليكونن لك شأن عظيم » قال : فكان من فضل اللّه سبحانه ما لا أنكره . قال : وأخبرني سيدي جمال الدين ، ولد الشيخ ، قال : قلت للشيخ : هم يريدون أن يصدّروا ابن عطاء في الفقه ! ! فقال الشيخ : هم يصدرونه في الفقه وأنا أصدره في التصوّف . وقال : دخلت عليه فقال : إذا عوفي الفقيه ناصر الدين يجلسك في موضع جدّك . ويجلس الفقيه من ناحية وأنا من ناحية وتتكلم إن شاء اللّه تعالى في العالمين . فكان ما أخبر به رضي اللّه عنه . قال : وسمعته يقول : أريد أن أستنسخ كتاب « التهذيب » لولدي جمال الدين فذهبت أنا فاستنسخته من غير أن أعلم الشيخ ، وأتيته بالجزء الأول ، فقال : ما هذا ؟ قلت : كتاب « التهذيب » استنسخته لكم ، فأخذه ، فلما نهض ليقوم قال : اجعل بالك الوليّ لا يتفضل عليه أحد . تجد هذا في ميزانك إن شاء اللّه . فلما أتيته بالجزء الثاني لقيني بعض أصحابه عند نزولي من عنده ، قال : قال الشيخ عنك واللّه لأجعلنه عينا من عيون اللّه يقتدى به في علم الظاهر